له: ما شأنُك؟ قال: وقعتُ من بكرٍ فحطمني، وبلغ الخبر عمر فأرسل إلى أبي جندب، فأخبره بالأمر على وجهه، فأرسل إلى أهل المرأة فصدَّقوه، فجلد عمرُ أبا السيَّارة مئة جلدة، وأبطل ديته.
وذكر العباس بن هشام الكلبي١، عن أبيه: أنَّ عمرو بن حُمَمة الدَّوْسِيَّ أتى مكة حاجًّا، وكان من أجمل العرب، فنظرت إليه امرأةٌ، فقالت: لا أدري وجهُه أحسنُ أم فرسه! وكانت له جُمَّة تُسمَّى الزينة، فكان إذا جلس مع أصحابه، نشرها وإذا قام عقصها، فقالت له المرأة: أين منزلُك؟ قال: نجد، قالت: ما أنت بنجديٍّ، ولا تِهاميٍّ، فاصدُقني! فقال: رجلٌ من أهل السَّرَاة ــ فيما بين مكَّة واليمن ــ ثُمَّ أشار إليها: ارتدفي خلفي، ففعلت، فمضى بها إلى السَّراة، وتبعها زوجُها، فلم يلحقها، فرجع فلما استقرت عنده؛ قطع عروقها، وقال: والله لا تتبعين بعدي رجلًا أبدًا ثم ردَّها إلى زوجها على تلك الحال.
فصل
والله سبحانه يغار على قلب عبد ه أن يكون مُعطلًا من حبه وخوفه، ورجائه، وأن يكون فيه غيره، فإنه سبحانه خلقه لنفسه، واختاره من بين خلقه، كما في الأثر الإلهيِّ: «ابنَ آدم خلقتُك لنفسي، وخلقتُ كلَّ شيءٍ لك، فبحقِّي عليك لا تشتغل بما خلقته لك عما خلقتُك له»، وفي أثر
(١) أخرجه عنه الخرائطي (ص ١١٤).
آخر: «خلقتُك لنفسي فلا تلعبْ، وتكفَّلتُ لك برزقك فلا تتعبْ، يا ابن آدم اطلبني تجدْني، فإنْ وجدتَّني؛ وجدت كل شيء، وإن فُتُّك؛ فاتك كل شيء، وأنا خيرٌ لك من كل شيء».
ويغارُ على لسانه أن يتعطَّل من ذكره ويشتغل بذكر غيره، ويغار على جوارحه أن تتعطَّل من طاعته، وتشتغل بمعصيته، فيقبح بالعبد أن يغار مولاه الحقُّ [١١٥ أ] على قلبه، ولسانه، وجوارحه، وهو لا يغارُ عليها.
وإذا أراد الله بعبده خيرًا، سلَّط على قلبه ــ إذا أعرض عنه، واشتغل بحبِّ غيره ــ أنواع العذاب، حتى يرجع قلبُه إليه، وإذا اشتغلتْ جوارحُه بغير طاعته؛ ابتلاها بأنواع البلاء.
وهذا من غيرته سبحانه على عبده، وكما أنَّه سبحانه يغار على عبده المؤمن، فهو يغارُ له، ولحُرمته، فلا يُمكِّن المفسد أن يتوصَّل إلى حُرمته؛ غيرةً منه لعبده، فإنَّه ﷾ يدافع عن الذين آمنوا، فيدفع عن قلوبهم، وجوارحهم، وأهلهم، وحريمهم، وأموالهم، يتولَّى سبحانه الدفع عن ذلك كلِّه غيرةً منه لهم، كما غاروا لمحارمه من نفوسهم، ومن غيرهم. والله تعالى يغار على إمائه وعبيده من المفسدين شرعًا وقدرًا، ومن أجل ذلك حرَّم الفواحش، وشرع عليها أعظم القربات، وأشنع القتلات؛ لشدَّة غيرته على إمائه وعبيده.
فإن عُطِّلت هذه العقوباتُ شرعًا؛ أجراها سبحانه قدرًا.