روضة المحبين

التي تُهْدَى إلى ضريرٍ مُقْعَد، كما قيل١:

خَوْدٌ تُزَفّ إلى ضَريرٍ مُقْعَدِ

وكان أبو عليٍّ إذا وقع في خلال مجلسه شيء يشوش الوقت يقول: هذا من غيرة الحق، يُريد ألَّا يجري ما يجري من صفاء [١١٦ أ] الوقت. قال الشاعر٢:

همَّت بإتياننا حتَّى إذا نظرتْإلى المراةِ نَهاها وجهُها الحسنُ
ما كانَ هذا جَزائي منْ محاسِنهاعُذِّبتُ بالهَجْرِ حتى شفَّني الحزَنُ

قال القُشيْرِيُّ٣: وقيل لبعضهم: أتحبُّ أن تراه؟ قال: لا! قيل: ولِمَ؟ قال: أُنَزِّهُ ذلك الجمال عن نظر مثلي. وفي معناه أَنشدوا:

إنِّي لأحسُدُ ناظريَّ عليكاحتى أغُضَّ إذا نظرتُ إليكا
وأراك تخطرُ في شمائلك التيهي قبلتي فأغارُ منك عليكا

قلتُ: وهذه غيرةٌ فاسدةٌ، وغايةُ صاحبها أن يُعْفَى عنه، وأن يعدَّ ذلك

  1. (١) لأبي عبد الله الحسين بن الحجاج في المنتحل (ص ١٥٨). وصدره: وكأنها لما أحلَّت عنده. وبلا نسبة في التمثيل والمحاضرة (ص ١٣٦).
  2. (٢) لعباس بن الأحنف في ديوانه (ص ٢٣٥)، وبهجة المجالس (٢/ ٢٩).
  3. (٣) الرسالة القشيرية (ص ٢٥٦)، والشعر للبحتري في ديوان الصبابة (ص ١١٤)، وملحق ديوانه (٤/ ٢٦٢٥). ولأبي بكر الشبلي في ديوانه (ص ١١٥). وبلا نسبة في حماسة الظرفاء (٢/ ١٠٤).
427

في شطحاته المذمومة، وأمَّا أن تُعدَّ في مناقبه، وفضائله أن يُقال له: أتحبُّ أن ترى الله؟ فيقول: لا، ورؤيتُه أعلى نعيم أهل الجنَّة، وهو سبحانه يحبُّ من عبده أن يسأله النَّظر إليه، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنَّه كان من دعائه: «اللَّهُمَّ إني أسألُك لذَّةَ النَّظَرِ إلى وجْهِكَ، والشَّوقَ إلى لِقَائك»١.

وقول هذا القائل: أُنزِّه ذلك الجمال عن نظر مثلي، من خدع الشيطان والنَّفس، وهو يُشبه ما يُحكى عن بعضهم: أنَّه قيل له: ألا تذكره؟ فقال: أنزهه أن يجري ذكره على لساني، وطردُ هذا التنزيه الفاسد أن ينزهه أن يجري كلامه على لسانه، أو يخطُر هو أيضًا على قلبه، وقد وقع بعضهم في شيءٍ من هذا، فلاموه، فأنشد يقول٢:

يقولون زُرْنا واقضِ واجبَ حقِّناوقد أسقطتْ حالي حقوقَهمُ عنِّي
إذا هم رأَوْا حالي ولم يأْنَفُوا لهاولم يأْنَفُوا منِّي أَنِفْتُ لهم منِّي

وطردُ هذه الغيرة ألَّا يزور بيته؛ غيرةً على بيته أن يزورهُ مثلُه. ولقد لُمْتُ شخْصًا مرَّةً على ترك الصلاة، فقال لي: إنِّي لا أرى نفسي أهلًا أن أدخل بيته. فانظر إلى تلاعب [١١٦ ب] الشَّيطان بهؤلاء!

ومن هذا ما ذكره القُشيريُّ٣، قال: سُئل الشبليُّ متى تستريح؟ فقال:

  1. (١) تقدم تخريجه.
  2. (٢) البيتان لجحظة البرمكي في ديوانه (ص ١٧٨)، وديوان المعاني (٢/ ٢٠٣). وبلا نسبة في ديوان الصبابة (ص ١١٢).
  3. (٣) الأخبار الآتية من الرسالة القشيرية (ص ٢٥٦ وما بعدها).
428

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي