الكِفْل من بني إسرائيل قلَّما يتورَّعُ من ذنب عمله، فأتتهُ امرأةٌ، فأعطاها ستِّين دينارًا على أن يطأَها، فلمَّا قعد منها مقعد الرَّجُل من امرأته أُرْعِدَتْ، وبكت، فقال: ما يُبْكيك، أكرَهْتُك؟ قالتْ: لا، ولكن هذا عملٌ لم أعملْهُ قطُّ! قال: فتفعلين هذا، ولم تفْعَليه قطُّ؟! قالتْ: حملتْني عليه الحاجةُ، فنزل ثمَّ قال: اذْهبي والدَّنانيرُ لك، ثم قال: والله لا يَعصي ذو الكفل أبدًا، فمات من ليْلَتهِ، فأصبح مكتوبًا على بابه: غفر الله لذي الكفْلِ».
وفي مسند أحمد١ من حديث عُقْبةَ بن عامر الجُهنيِّ قال: قال رسول الله ﷺ: «عجب ربُّك من الشَّابّ ليستْ لهُ صبْوةٌ».
وذكر المبرِّد٢ عن أبي كامل، عن إسحاق بن إبراهيم، [١٢٣ أ] عن رجاء بن عمرو النَّخَعيِّ، قال: كان بالكوفة فتًى جميلُ الوجه، شديدُ التعبُّد والاجتهاد، فنزل في جوار قوم من النَّخع، فنظر إلى جارية منهنَّ جميلةٍ، فهويَها، وهامَ بها عقله، ونزل بالجارية ما نزل به، فأرسل يخطُبها من أبيها، فأخبره أبوها أنها مسمَّاةٌ لابن عمٍّ لها، فلما اشتدَّ عليهما ما يقاسيان منْ ألم الهوى؛ أرسلت إليه الجارية: قد بلغني شدَّةُ محبَّتك لي، وقد اشتدَّ بلائي بك، فإنْ شئت زرتُك، وإن شئت سهّلت
(١) ٤/ ١٥١. وأخرجه أيضًا الخرائطي (ص ٢٤١)، وفي إسناده ابن لهيعة وهو ضعيف.
(٢) أخرجه عنه الخرائطي (ص ٧٨ - ٧٩)، وابن الجوزي في ذم الهوى (ص ٢٦٣ - ٢٦٤) وعندهما: «ابن أبي كامل». والخبر في الواضح المبين (ص ١٩١ - ١٩٣)، وبرواية أخرى في مصارع العشاق (١/ ١٦٠ - ١٦١).
لك أنْ تأتيني إلى منزلي، فقال للرسول: ولا واحدةً منْ هاتين الخُلَّتين، ﴿إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾[الأنعام/١٥] أخاف نارًا لا يخبو سعيرُها، ولا يَخْمُدُ لهيبُها. فلمَّا أبلغها الرَّسولُ قوله؛ قالت: وأراه مع هذا يخاف الله؟ والله ما أحدٌ أحقَّ بهذا من أحدٍ، وإنَّ العباد فيه لمشتركون، ثم انخلعت من الدُّنيا، وألقت علائقها خلف ظهرها، وجعلت تتعبَّد، وهي مع ذلك تذوبُ، وتنْحلُ حُبًّا للفتى، وشوقًا إليه حتى ماتت منْ ذلك، فكان الفتى يأتي قبرها، فيبكي عنده، ويدعو لها، فغلبته عينُه ذات يوم على قبرها، فرآها في منامه في أحسن منظرٍ، فقال: كيف أنتِ، وما لقيتِ بعدي؟ فقالت:
نعمَ المحبَّةُ يا سُؤْلي محبتُكمحبٌّ يقودُ إلى خيرٍ وإحسان
فقال: على ذلك إلى ما صرتِ؟ فقالت:
إلى نعيمٍ وعَيْشٍ لا زوال لهفي جنَّة الخُلْدِ ملكٌ ليس بالفاني
فقال لها: اذكريني هناك، فإني لستُ أنساكِ، فقالت: ولا أنا والله أنساك! ولقد سألتُ مولاي ومولاك أن يجمع بيننا، فأَعِنِّي على ذلك بالاجتهاد، فقال لها: متى أراك؟ قالت: ستأْتينا عنْ قريبٍ، فترانا، فلم يعش الفتى بعد الرؤيا إلا سبع ليالٍ حتى مات.
وذكر الزُّبَيرُ بن بكَّار١: أنَّ عبد الرحمن بن أبي عمَّار نزل بمكة،
(١) أخرج عنه الخرائطي (ص ٨٠ - ٨١)، وابن الجوزي في ذم الهوى (ص ٢٥٦ - ٢٥٧) مطولًا.