في محلٍّ بَيْنَ الجنان وبين النَّــار أرجو طوْرًا وطوْرًا أخافُ
وقال عثمان بن الضحاك الحِزَامي١: خرجْتُ أريدُ الحجَّ، فنزلتُ بالأبْواء، فإذا امرأةٌ جالسةٌ على باب خيمةٍ، فأعجبني ما رأيتُ من حسنِها، فتمثلت بقول نُصَيْب٢.
بزينبَ ألمِمْ قبل أن يَرْحَلَ الرَّكْبُوقلْ إنْ تَمَلِّينا فما ملَّكِ القَلْبُ
فقالت: يا هذا أتعرف قائل هذا الشعر؟ قلت: نعم، ذاك نُصيب، قالت: فتعرف زينبه؟ قلت: لا! قالت: فأنا زينبُه! قلت: حياكِ الله! قالت: أما إنَّ اليوم موعدُه منْ عند أمير المؤمنين، خرج إليه عام أوَّل، فوعدني هذا اليوم، لعلَّك لا تبرح حتى تراه، قال: فبينا أنا كذلك؛ إذا أنا براكبٍ، قالت: ترى ذلك الرَّاكب؟ إنِّي لأحْسَبُه إيَّاه. فأقبل فإذا هو نُصيب، فنزل قريبًا من الخيمة، ثم أقبل، فسلَّم حتى جلس قريبًا منها يسألها، وتسأله أن ينشدها ما أحدث، فأنشدها، فقلت في نفسي: محبّانِ طال التنائي
بينهما، لابدَّ أن يكون لأحدهما إلى صاحبه حاجةٌ، فقمت إلى بعيري؛ لأشدَّ عليه، فقال: على رِسْلك؛ إنِّي معك، فجلست حتى نهض معي، فتسايرنا، ثم التفت إليَّ، فقال: أقلتَ في نفسك: محبَّان التقيا بعد طول تناءٍ، فلابدَّ أن يكون لأحدهما إلى صاحبه حاجة؟ قلت: نعم، قد كان ذلك، قال: وربِّ هذه البَنيَّةِ ما جلستُ منها مجلسًا [١٢٤ ب] أقربَ من هذا.
وقال عُمر بن شبَّة١ حدَّثنا أبو غسَّان قال: سمعت بعض المدنيين يقول: كان الرَّجل يحب الفتاة، فيطوف بدارها حولًا، يفرح أن يرى منْ يراها، فإن ظَفِر منها بمجلس؛ تشاكيا، وتناشدا الأشعار، واليوم يشير إليها، وتشير إليه، فيَعِدُها، وتعدُهُ، فإذا التقيا؛ لم يَشكُ حُبًّا، ولم ينشد شعرًا، وقام إليها، كأنَّه قد أشهد على نِكاحِها أبا هريرة.
وقال محمَّدُ بنُ سيرين٢: كانوا يعشقون في غير ريبةٍ، وكان الرجل يجيء إلى القوم، فيتحدَّث عندهم، لا يستنكر له ذلك، قال هشام بن حسان: لكن اليوم لا يرْضون إلَاّ بالمواقعة.
وقيل لأعرابي٣: ما تَعُدُّون العِشْق فيكم؟ قال: القُبْلة، والضمّ، والغمز، وإذا نكح الحبُّ فسد.
(١) أخرج عنه الخرائطي (ص ٨٣ - ٨٤)، وابن الجوزي في ذم الهوى (ص ٢٣١). وهو في ربيع الأبرار (٤/ ٢٥).