روضة المحبين

وهي تقول: يا رب! كم من شهوةٍ ذهبت لذَّتُها، وبقيت تَبِعتُها، يا رب! أما لك أدبٌ إلَاّ النار؟ فما زال مقامها حتى طلع الفجر، فلمَّا رأيتُ ذلك؛ وضعتُ يدي على رأسي صارخًا، أقول: ثكلتْ مالكًا أمُّه، جُوَيرِيَةٌ منذ الليلة قد بطَّلته.

وطائفةٍ بالبيت والليلُ مظلمُتقولُ ومنها دمعُها يتسجَّمُ١
أيا ربِّ كمْ من شهوةٍ قد رُزِئتُهاولذَّة عيشٍ حبلُها متصرِّمُ
أما كان يكفي للعباد عقوبةًولا أدبًا إلَاّ الجحيم المضرَّمُ
فما زال ذاك القولُ منها تضرُّعًاإلى أنْ بدا فجرُ الصَّباح المقدَّمُ
فشبَّكْتُ منِّي الكفَّ أهْتِف خارجًاعلى الرأْس أُبْدِي بعض ما كنتُ أكْتُمُ
وقلتُ لنفسي إذْ تطاول مابهاوأعيا عليها وِرْدُها المتغنَّم
ألا ثكلتك اليوم أُمُّك مالكًاجوَيرِيةٌ ألهاك منها التكلُّمُ
فما زلتَ بَطَّالًا بها طول ليلةٍتنال بها حظًّا جسيمًا وتغنمُ

وقال مَخْرَمةُ بن عثمان٢: نُبِّئت أنَّ فتًى من العُبَّاد هَوِيَ جاريةً من أهل البصرة، فبعث إليها يخطبها، فامتنعتْ، وقالت: إن أردت غير ذلك؛ فعلتُ، فأرسل إليها: سبحان الله! أدعوكِ إلى ما لا إثم فيه، وتدعينني

  1. (١) قال الخرائطي (ص ٩١): أنشدني إبراهيم بن الجنيد قال: أنشدني محمد بن الحسين ...، ثم ذكر الأبيات.
  2. (٢) أخرجه الخرائطي (٩٢ - ٩٣). ورواه ابن الجوزي في ذم الهوى (ص ٢٣٦) عن الأصمعي بنحو هذا الخبر.
458

إلى ما لا يَصْلُح؟ فقالت: قد أخبرتك بالذي عندي، فإن شئت فتقدَّم، وإن شئت فتأَخَّر، فأَنشأَ يقول:

وأسأَلُها الحلالَ وَتَدْعُ قلبيإلى ما لا أريدُ منَ الحَرَامِ
كداعي آلِ فِرْعَونٍ إليهوَهُمْ يَدْعُوْنَهُ نحو الأثام
فظَلَّ منعَّمًا في الْخُلْد يَسْعَىوظلُّوا في الجحيم وفي السَّقام

فلمَّا علمتْ أنه قد امتنع من الفاحشة؛ أرسلتْ إليه: أنا بين يديْك على الذي تُحِبُّ. فأرسل إليها: لا حاجةَ لنا فِيْمنْ دعوناه إلى الطَّاعة، فدعانا إلى المَعْصِية ثم أنشد:

ولا خيرَ فِيْمَن لا يُراقبُ ربَّهعِنْدَ الهوى ويخافُه إيمانا
حَجَب التُّقى سُبُل الهوى فأخو التُّقىيخشى إذا وافى المَعَاد هوانا

وقال عبد الملك بن مروان لِلَيْلى الأخيليَّة١: بالله هل كان بينكِ وبين توبة سوءٌ قط؟! قالت: والذي ذهب بنفسه، وهو قادرٌ على ذهاب نفسي؛ ما كان بيني وبينه سوءٌ قطُّ، إلا أنَّه قَدِم من سفرٍ، فصافحته، فغمز يدي، فظننتُ أنه يَخْنَعُ لبعض الأمر، قال: فما معنى قولك:

وذي حاجةٍ قلْنا له لا تَبُحْ بهافليس إليها ما حييتَ سبيلُ
لنا صاحبٌ لا ينبغي أنْ نخونَهوأنت لأُخرى صاحبٌ وخليلُ
  1. (١) أخرجه الخرائطي (ص ٩٦ - ٩٧). والخبر مع الشعر في ديوان ليلى (ص ٩٥)، والأغاني (١١/ ٢٠٧)، وأمالي القالي (١/ ٨٨)، وذم الهوى (ص ٢٢٤).
459

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي