روضة المحبين

ولما احْتُضِر أبو سفيان بن الحارث هذا ــ وهو ابن عمِّ النَّبيِّ ﷺ ــ قال لأهله: لا تبكوا عليَّ، فإنِّي لم أتنطَّف بخطيئةٍ منذ أسلمتُ.

ولمَّا قدِم عُرْوةُ بن الزُّبير١ على الوليد بن عبد الملك؛ خرجتْ برجله الأكلةُ، فاجتمع رأي الأطباء على نشرها، وأنَّه إن لم يفعل سرت إلى جسمه، فهلك، فلمَّا عزم على ذلك؛ قالوا له: نسقيك مُرْقِدًا؟ قال: ولِمَ؟ قالوا: لئلا تُحِسَّ بما نصْنع، قال: لا! بل شأنكم، فنشروا ساقه بالمنشار، فما أزال عضوًا عن عضوٍ حتى فرغوا منها، ثم حسموها، فلما نظر إليها في أيديهم؛ تناولها، وقال: الحمد لله! [١٢٨ أ] أما والذي حملني عليك إنَّه ليعلم أني ما مشيتُ بك إلى حرام قطُّ.

ولما حضرتْ عُمر بن أبي ربيعة٢ الوفاةُ بكى عليه أخوه الحارث، فقال له عمر: يا أخي! إن كان أسفُك لما سمعتَ من قولي: قلتُ لها، وقالت لي، فكلُّ مملوك لي حرٌّ إن كنتُ كشفتُ حرامًا قطُّ! فقال الحارث: الحمدُ لله طيبتَ نفسي.

وقال سفيانُ بن محمَّد٣ دخلتْ يومًا عزَّةُ على أُمِّ البنين أُختِ عمر

  1. (١) المصدر السابق (ص ٢٢١ ــ ٢٢٢). والخبر في تاريخ أبي زرعة الدمشقي (١/ ٥٥٢)، والمعرفة للفسوي (١/ ٥٥٣)، وحلية الأولياء (٢/ ١٧٨) وغيرها.
  2. (٢) ذم الهوى (ص ٢٢٤).
  3. (٣) أخرجه الخرائطي (ص ٢٣٢)، وابن الجوزي في ذم الهوى (ص ٢٢٤ - ٢٢٥). وفيهما «مروان بن محمد». والخبر برواية أخرى في مصارع العشاق (٢/ ٨٤).
465

ابن عبد العزيز، فقالت لها: يا عزةُ! ما قول كُثَيِّر:

قضى كلُّ ذي دين فوفَّى غريمهوعزَّةُ ممطولٌ مُعَنًّى غريمُها

ما كان هذا الدَّين؟ فقالت: كنت وعدتُه بقُبْلةٍ؛ فتحرَّجتُ منها، فقالت أُمّ البنين: أنجزيها وعليَّ إثمُها! قالت: فأعتقت أُمّ البنين لكلمتها هذه أربعين رقبةً، وكانت إذا ذكرتْها بكتْ، وقالت: ليتني خَرِستُ، ولم أتكلَّم بها!

ولما احتُضر ذو الرُّمَّة١؛ قال: لقد هِمْتُ بميٍّ عشرين سنة في غير ريبةٍ ولا فساد.

وكان الحارثُ بن خالد بن هشام المخزوميُّ٢ عاشقًا لعائشة بنت طلحة، وله فيها أشعارٌ، أفرد لها ابن المرزُبان كتابًا، فلمَّا قُتل عنها مُصْعَبُ بن الزُّبير؛ قيل للحارث: ما يمنعُك الآن منها؟ قال: والله لا يتحدَّثُ رجالاتُ قريش: أنَّ تشبيبي بها كان لريبةٍ، ولشيء من الباطل.

وقال ابن عُلاثة٣: دخلتُ على رجلٍ من الأعراب خيمته، وهو يئنُّ، فقلت: ما شأنك؟ قالوا: عاشق، فقلت له: مِمَّن الرَّجلُ؟ قال: منْ قوم إذا عشقوا ماتوا أعفَّةً. فجعلتُ أعْذله، وأُزهِّدُه فيما هو فيه، فتنفّس

  1. (١) ذم الهوى (ص ٢٢٥ - ٢٢٦).
  2. (٢) المصدر نفسه (ص ٢٢٧).
  3. (٣) المصدر نفسه (ص ٢٢٧ - ٢٢٨).
466

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي