روضة المحبين

الحاجة؟ قالت: اللهم لا! قال: صدقتِ. قال: فلو دخلت قبرك، وأُجلست للمساءلة؛ أكان يسرُّك أنِّي قضيتُها لك؟ قالت: اللهمَّ لا! قال: صدقْتِ، قال: فلو أنَّ الناس أُعْطُوا كتبهم، ولا تدرين: أتأخذين كتابك بيمينك أم شمالك؛ أكان يسرُّك أنِّي قضيتُها لك؟ قالت: اللهُمَّ لا! قال: صدقت. قال: فلو أردت المشيَ على الصِّراط، ولا تدرين: هل تنجين، أو لا تنجين؛ أكان يسرُّك أني قضيتُها لك؟ قالت: اللهمَّ لا! قال: صدقت، قال: فلو جيء بالميزان، وجيء بك فلا تدرين: أيخِفُّ ميزانُك، أم يثقُلُ؛ أكان يسرُّك أني قضيتُها لك؟ قالت: اللهمَّ لا! قال: صدقت، قال: فلو وقفت بين يدي الله لِلْمُساءلة؛ أكان يسرُّك أنِّي قضيتُها لك؟ قالت: اللهمَّ لا! قال: صدقت، قال: اتَّقي الله! فقد أنعم الله عليك، وأحسن إليك. قال: فرجعتْ إلى زوجها، فقال: ما صنعتِ؟ فقالت: أنْتَ بطَّال، ونحن بطَّالون. فأقبلتْ على الصَّلاة، والصَّوم، والعبادة، فكان زوجُها يقول: ما لي ولعُبيد بن عُمير؟ أفسد عليَّ امرأتي، كانت في كل ليلةٍ عروسًا، فصيَّرها راهبةً.

وقال سعيدُ بن عبد الله بن راشد١: علقتْ فتاةٌ من العرب فتًى من قومها، وكان عاقلًا فاضلًا، فجعلتْ تكثر التردد إليه، فتسأله عن أمورٍ منْ أمور النساء، وما بها إلا النَّظرُ إليه، واستماعُ كلامه فلما طال عليها ذلك؛

  1. (١) أخرج عنه السرَّاج في مصارع العشاق (٢/ ١٠٨ - ١٠٩)، وابن الجوزي في ذم الهوى (ص ٢٦٧).
471

مرضتْ، وتغيَّرتْ، واحتالتْ في أن خلا لها وجهُه، فتعرَّضتْ إليه ببعض الأمر، فصرفها، ودفعها عنه، فتزايد المرضُ حتى سقطتْ على الفراش، فقالت أمُّه: إنَّ فلانة قد مرضت، ولها علينا حقٌّ، قال: فعوديها، وقولي لها: يقولُ لك: ما خبرُك؟ فسارت إليها أمُّه وسألتها: ما بكِ؟ قالت: [١٣٠ أ] وجعٌ في فُؤادي هو أصلُ عِلَّتي، قالت: فإنَّ ابني يسألك عن علَّتك؟ فتنفَّستْ الصُّعَداءَ، ثم قالت:

يسائِلُني عن عِلَّتي وهو عِلَّتيعجيبٌ منْ الأنباء جاء به الخبرْ

فانصرفت إليه أُمُّه، وأخبرتْه، وقالت له: أحب أن تصير إليك، فقال: نعم، فذكرت أُمُّه لها ذلك، فبكت، وقالت:

ويُبعدُني عنْ قربه ولقائهفلمَّا أذابَ الجسمَ منِّي تعطَّفا
فلستُ بآتٍ موضعًا فيه قاتليكَفاني سَقامًا أنْ أموتَ تلَهُّفا

وتزايدت بها العلَّة حتى ماتت.

وأحبَّ رجلٌ منْ أهل الكوفة١ ــ يُسمَّى أبا الشَّعثاء ــ امرأةً جميلةً، فلمَّا علمتْ به كتبت إليه:

لأبي الشعثاء حبٌّ دائمٌلَيْسَ فيه تُهْمةٌ لمُتَّهَمْ
يا فؤادي فازْدَجِرْ عنه وياعبَثَ الحبِّ به فاقعدْ وقُمْ
  1. (١) رواه ابن الجوزي في ذم الهوى (ص ٢٧٤ - ٢٧٥)، والمرأة هي دنانير جارية ابن كناسة. والخبر برواية أخرى في الأغاني (١٣/ ٣٤٥).
472

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي