روضة المحبين

علَّقه في حال بُعْدِه١ عن وطنه، وغَيبته عن كتبه، فما عسى أن يبلغ خاطرُه المكدود٢ وسعيُه المجهود، مع بضاعته المُزْجاة التي حقيقٌ بحاملها أن يُقال فيه: «تَسمعُ بالمُعَيْدي خيرٌ من أن تراه»٣. وها هو قد نَصبَ نفسَه هدفًا لسهام الراشقين، وغَرَضًا لأسِنَّةِ الطَّاعنينَ، فلقارئه غُنْمُه، وعَلَى مؤلفه غُرْمُهُ. وهذه بضاعتُه تُعرَضُ عليك، ومَوْلِيَّته تُهدَى إليك، فإنْ صَادفتْ كفؤًا كريمًا لن تَعْدَم منه إمساكًا بمعروفٍ أو تسريحًا بإحسان، وإن صَادفتْ غيرَهُ فالله المستعان، وعليه التُّكلان.

وقد رضي من مهرها بدعوةٍ خالصةٍ إنْ وافقتْ قبولًا واستحسانًا، وَبِرَدٍّ جميلٍ إن كان حظُّها احتقارًا واستهجانًا. والمنصفُ يَهَبُ خطأَ المخطئ لإصابته، وسيئاتِه لحسناتِه.

فهذه سُنَّة الله في عباده جزاءً وثوابًا. ومَن ذا الذي يكون قولُه كلُّه سديدًا، وعملُه كلُّه صوابًا؟ وهل ذلك إلا المعصوم الذي لا ينطق عن الهوى، ونطقُه وحيٌ يُوحى، فما صحَّ عنه فهو نقلٌ مُصدَّق عن قائل معصوم، وما جاءَ عن غيره فثبوتُ الأمرين فيه مَعدومٌ، فإن صحّ النقل لم يكن القائلُ معصومًا، وإن لم يصحَّ لم يكن وصوله إليه معلومًا.

  1. (١) ت: «بعد».
  2. (٢) ت: «الكدود».
  3. (٣) المثل في «البيان والتبيين» (١/ ١٧١، ٢٣٧)، و«العقد الفريد» (٢/ ٢٨٨)، و«جمهرة الأمثال» (١/ ٢٦٦)، و«مجمع الأمثال» (١/ ١٢٩). يُضرب لمن خبره خير من مرآه.
23

فصل

وهذا الكتاب يَصلُح لسائر طبقات الناس، فإنه يَصلُح عونًا على الدِّين وعلى الدُّنيا، ومرقاةً للذة العاجلة ولذة العُقْبى، وفيه من ذكر أقسام المحبَّة، وأحكامها ومتعلقاتها، [٧ أ] وصحيحها وفاسدها، وآفاتها وغوائلها، وأسبابها وموانعها، وما يُناسب ذلك من نُكَتٍ تفسيرية، وأحاديثَ نبوية، ومسائلَ فقهية، وآثارٍ سَلَفية، وشواهدَ شعرية، ووقائعَ كونية، ما١ يكونُ مُمْتِعًا لقارئه، مُرَوِّحًا للناظرِ فيه، فإن شاءَ أوسَعَه جِدًّا، وأعطاه ترغيبًا وترهيبًا، وإن شاءَ أخذَ من هزله ومُلَحه نصيبًا، فتارةً يُضحِكُه، وتارةً يُبكيه، وطورًا يُبعِدُه من أسباب اللذة الفانية، وطورًا يُرغّبه فيها ويُدنيه. فإنْ شئتَ وجدته واعظًا ناصحًا، وإن شئت وجدتَه بنصيبك من اللذة والشهوة ووَصْلِ الحبيب مُسامحًا.

وهذا حين الشروع في الأبواب، والله سبحانه الفاتحُ من الخير كلَّ باب، وهو المسؤول سبحانه أن يجعلَه خالصًا لوجهه الكريم، مُدنِيًا من رضاه والفوز بجنَّات النعيم، والله متولي سريرةِ العبد وكَسْبِه، وهو سبحانه عند لسان كل قائلٍ وقلبه. ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [التوبة/١٠٥].

  1. (١) في هامش ت: نسخة «مما».
24

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي