روضة المحبين

قالت: إذًا أكون منسلخةً من ديني إنْ كنتُ ارتكبت عظيمًا، ثم أُتبعه بالكذب.

وقال العُتْبيُّ١: خرجت إلى المِرْبَد فإذا بأعرابيٍّ غَزِلٍ، فمِلْت إليه، فذكرتُ النِّساء، فتنفَّس ثم قال: يا ابن أخي! إنَّ منْ كلامهنَّ لما يقوم مقام الماء، فيشفي من الظمأ. فقلت: صف لي نساءكم، فقال: نساء الحي تريد؟ قلت: نعم! فأنشأ يقول:

رُجْحٌ ولَسْنَ منَ اللَّواتي بالضُّحىلِذيُولهنَّ على الطريق غبارُ
يأنسن عند بُعولهن إذا خلواوإذا هُم خَرجُوا فهنَّ خِفارُ

قال العُتْبيُّ: فأخبرت به أبي، قال: تدري من أين أخذ قوله: وإنَّ من كلامهنَّ ما يقوم مقام الماء، فيشفي من الظمأ؟ قلت: لا، قال: من قول القطاميِّ٢:

يقْتُلْننا بحديثٍ ليس يعلَمُهمنْ يَتَّقينَ ولا مكنونُه بادِ
فهنَّ يُبدينَ من قولٍ يُصِبْنَ بهمواقع الماء من ذي الغُلَّة الصَّادي

وهذه الطَّائفةُ لِعفَّتهم أسبابٌ، أقواها: إجلال الجبَّار، ثُمَّ الرَّغبةُ في الحور الحسان في دار القرار، فإن من صرف استمتاعه في هذه الدار إلى ما حرَّم الله عليه؛ منعه من الاستمتاع بالحور الحسان هناك، كما قال

  1. (١) أخرج عنه الخرائطي (ص ٩٤ - ٩٥). والبيتان للفرزدق في ديوانه (١/ ٥٩٩).
  2. (٢) في ديوانه (ص ٨١).
474

ﷺ: «منْ لبس الحرير في الدُّنيا؛ لم يلبسه في الآخرة»١، و«من شرب الخمر في الدُّنيا؛ لم يشربها في الآخرة»٢.

فلا يجمع الله للعبد لذَّة شرب الخمر، ولبس الحرير، والتمتُّع بما حرَّم الله عليه من النساء، والصبيان، ولذَّة التمتُّع بذلك في الآخرة، فليختر العبد [١٣١ أ] لنفسه إحدى اللَّذتين، وليكتف عن إحداهما بالأخرى؛ فمن أبى فلن يجعل الله من أذهب طيباته في حياته الدنيا، واستمتع بها كمن صام عنها ليوم فطره في الدنيا؛ إذا لقي الله، ودون ذلك مرتبةٌ أن يتركها خوف النار فقط، فإن تركها رغبةً ومحبةً أفضلُ من تركها لمجرد خوف العقوبة.

ثم أدنى من ذلك أن يحمله عليها خوف العار، والشنار. ومنهم من يحمله على العفة الإبقاء على محبته خشية ذهابها بالوصال. ومنهم من يحمله عليها عفةُ محبوبه، ونزاهتُه. ومنهم من يحمله عليها الحياءُ منه، والاحتشام له، وعظمته في صدره. ومنهم من يحمله عليها الرغبة في جميل الذكر، وحسن الأحدوثة. ومنهم من يحمله عليها الإبقاء على جاهه، ومروءته، وقدره عند محبوبه وعند الناس. ومنهم من يحمله عليها كرم طبعه وشرف نفسه، وعلوُّ همته. ومنهم من يحمله عليها لذَّةُ الظَّفر بالعفَّة، فإنَّ للعفة لذَّةً أعظمُ منْ لذة قضاء الوطر، لكنها لذة

  1. (١) أخرجه البخاري (٥٠٣٢)، ومسلم (٢٠٧٣) من حديث أنس.
  2. (٢) أخرجه البخاري (٥٧٧٥)، ومسلم (٢٠٠٣) من حديث عبد الله بن عمر.
475

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي