روضة المحبين
يتعاطيان من الغرام مُدامةًزادتهما بعدًا من الأوزار
صدقا الغرام فلم يمل طرفٌ إلىفُحْشٍ ولا كفٌّ لحلِّ إزار
فتلاقيا وتفرَّقا وكلاهمالم يخش مطعن عائبٍ أو زار

وقيل لبُثيْنة: هذا جميل لما به، فهل عندك من شيء تُنفِّسين به وجده؟ فقالت: ما عندي أكثرُ من البكاء إلى أن ألقاه في الدَّار الأخرى، أو زيارته وهو ميت تحت الثَّرى.

وقيل لعُتبة بعد موت عاشقها: ما كان يضُرُّك لو أمتعتِهِ بوجهك؟ قالت: منعني من ذلك خوف العار، وشماتةُ الجار، ومخافةُ الجبَّار، وإنَّ بقلبي أضعاف ما بقلبه، غير أنِّي أجد ستره أبقى للمودَّة، وأحمد للعاقبة، وأطوع للربِّ، وأخفَّ للذَّنب.

وهوي فتًى امرأةً١، وهويَتْهُ، وشاع خبرُهما، فاجتمعا يومًا خاليين، فقال لها: [١٣٢ أ] هلمِّي نُحقِّق ما يقال فينا، فقالت: لا والله! لا كان هذا أبدًا، وأنا أقرأُ: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف/٦٧].

وقيل لبعضهم ــ وقد هوي جاريةً، فطال عشقه لها ــ: ما أنت صانعٌ لو ظفرت بها، ولا يراكما إلا الله؟ قال: والله لا جعلته أهون الناظرين إليَّ، لا أفعل بها خاليًا إلَّا ما أفعله بحضرة أهلها، حنين طويل، ولحظٌ من بعيد، وأترك ما يُسخطُ الربَّ، ويُفسدُ الحبَّ٢:

  1. (١) انظر تزيين الأسواق (١/ ٣٦).
  2. (٢) سبقت الأبيات (ص ١٣٨).
478
إذا كان حظُّ المرءِ ممَّن يحبُّهحرامًا فحظي ما يحلُّ ويجمُلُ
حديثٌ كماء المُزن بينَ فُصولهعتابٌ به حُسنُ الحديث يُفصل
ولثمُ فمٍ عذب اللِّثاتِ كأنماجناهن شهدٌ فُتَّ فيه القرنفُلُ
وما العشقُ إلا عفة ونزاهةوأنس قلوب أنسهنَّ التغزلُ
وإني لأستحيي الحبيب من التيتُرِيب وأُدعى للجميل فأُجملُ

وقال آخر١:

وإني لمشتاقٌ إلى كل غايةٍمن المجد يكبو دُونها المُتطاولُ
بذولٌ لمالي حين يَبْخَلُ ذو النُّهىعفيف عن الفحشاء قرْمٌ حُلاحلُ

وما ألطف قوله: «حين يبخل ذو النُّهى» فإن ذا النُّهى لا يبخل إلا في موضع البُخل، فأخبر هذا أنه يبذلُ ماله حين يبخلُ به ربُّه في موضع البُخل.

وقال عامر بن حُذافة٢: رأيتُ بصُحَارَ جاريةً قد ألصقت خدَّها بقبرٍ، وهي تبكي، وتقول:

خدِّي يقيك خشونة اللَّحْدِوأقلُّ مالك سيِّدي خدِّي
يا ساكن التُّرب الذي بوفاتهعميتْ عليَّ مسالكُ الرُّشدِ
اسْمَعْ فديتُك قصَّتي فلعلَّنيأشفِي بذلك غُلَّة الوجْد
  1. (١) اعتلال القلوب (ص ١٠١).
  2. (٢) رواه الخرائطي (ص ١٩٠ - ١٩١). والخبر والشعر الأول في العقد الفريد (٣/ ٢٧٨).
479

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي