روضة المحبين

قال: فسألتها عن صاحب القبر، فقالت: فتًى رافقته في الصِّبا، وأنشأت تقول: [١٣٢ ب]

كُنَّا كزوج حمامةٍ في أيْكةٍمتمتعين بصحَّةٍ وشباب
فغدا الزَّمان مشتِّتًا بفراقهإنَّ الزَّمان مفرِّقُ الأحْباب

قال: فبكيت لرِقَّة شعرها، فأنشأتْ تقول:

تبكي عليه ولستَ تعرفُ أمرهفلأُعلِمنَّك حاله ببيان
ما كان للعافين غيرُ نوالهفإذا استُجير ففارسُ الفُرْسان
لا يُتبعُ الجيرانَ رِقَّةَ طرفهويتابع الإحسان للجيران
عفُّ السريرة والجهيرة مثلهافإذا استُضيم أراك فَتْكَ طِعان

فقلت: أعلميني مَنْ هو؟ قالت: سنانُ بنُ وبرة الذي يقول فيه الشاعر:

يا رائدًا غيْثًا لنُجعة قومهيكفيك من غيثٍ نوالُ سنان

ثم قالت: يا هذا! والله لولا أنك غريبٌ ما متَّعتُك من حديثي. قلت: فكيف كان حبُّه لك؟ قالت: ما كان يوسِّدني إذا نمتُ إلَّا يده، فمكثتُ معه أربعة أحوال ما توسَّدتُ غيرها إلا في حالٍ يمنعُه مانع.

وقال سعيد بن يحيى الأمويُّ١: حدَّثني عمي محمَّدُ بنُ سعيد،

  1. (١) رواه الخرائطي (ص ١٨٨ - ١٨٩)، ورواه السرَّاج في مصارع العشاق (٢/ ٢٠٨ - ٢١٠)، وابن الجوزي (ص ٢١٩ - ٢٢١) عن عبيدة السلماني بسياق أطول.
480

حدثنا عبد الملك بن عمير قال: كان أخوان من ثقيف من بني كُنَّة بينهما من التَّحاب شيءٌ لا يعلمه إلا الله، وكلُّ واحد منهما أخوه عنده عدلُ نفسه، فخرج الأكبر منهما إلى سفرٍ له وله امرأةٌ، فأوصى أخاه بحاجة أهله، فبينا المقيم في دار الظاعن؛ إذ مرَّت امرأة أخيه في درع تجوز من بيتٍ إلى بيت، وكانت من أجمل البشر، فرأى شيئًا حيَّره، فلمَّا رأته؛ ولولت، ووضعت يدها على رأسها، ودخلت بيتًا، ووقع حبُّها في قلبه، فجعل يذوب، وينحلُ جسمه، ويتغيَّر لونه. وقدم أخوه، فقال: مالك ياأخي مُتغيِّرًا! ما وجعك؟ قال: ما فيَّ من وجع، [١٣٣ أ] فدعا له الأطبَّاء، فلم يقفْ أحدٌ على دائه غيرُ الحارث بن كلدة، وكان طبيبًا، فقال: أرى عينين صحيحتين، وما أدري ما هذا الوجع، ما أظنُّه إلَّا عاشقًا! فقال له أخوه: سبحان الله! أسألك عن وجع أخي، وأنت تستهزئ بي! فقال: ما فعلتُ! وسأسقيه شرابًا عندي، فإن يك عاشقًا فسيبين لكم، فأتاه بشرابٍ، فجعل يسقيه قليلًا قليلًا، فلمَّا أخذه الشَّراب؛ هاج، وقال:

ألِمَّا بي على الأبيات من خيف نزُرْهُنَّه
غزالٌ ما رأيتُ اليوم في دُور بني كُنَّهْ
أسِيلُ الخدِّ مربوبٌوفي منطِقه غُنَّه

فقال: أنت طبيبُ العرب، فبمن؟ قال: سأعيد له الشراب، ولعلَّه يسمِّي، فأعاد له الشَّراب، فسمَّى المرأة، فطلقها أخوه؛ ليتزوَّجها، فقال المريض: عليَّ كذا وكذا إنْ تزوَّجتُها، فقضى، ولم يتزوَّجْها.

481

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي