قال أبو الفرج١: وَشَتْ جارية بثينة بها إلى أبيها وأخيها، وقالت لهما: إنَّ جميلًا عندها، فأتيا مشتملين على سيفيهما، فرأياهُ خاليًا حجرةً منها، تحدّثه، ويشكو إليها بثَّه، ثم قال لها: يا بُثَيْنَةُ أرأيت مابي من الشَّغف والعشق؛ ألا تجربينه؟ [١٣٤ أ] قالت له: بماذا؟ قال: بما يكون من المُتحابين، فقالت له: يا جميلُ! أهذا تبغي؟ والله! لقد كنت عندي بعيدًا منه، فإن عاودت تعريضًا بريبةٍ لا رأيت وجهي أبدًا، فضحك، وقال: والله! ما قلتُ لك هذا إلَاّ لأعلم ما عندك، ولو علمتُ أنَّك تجيبينني إليه؛ لعلمت أنَّك تجيبين غيري، ولو رأيتُ منك مساعدةً لضربتك بسيفي هذا ما استمسك في يدي، أو هجرتُك أبدًا، أما سمعت قولي:
وإنِّي لأرضى من بُثَيْنة بالذيلو أبصرَهُ الواشي لقرَّتْ بلابِلُه
بلا وبأن لا أستطيع وبالمُنىوبالأمل المرجُوِّ قد خاب آملُه
وبالنَّظرة العجلى وبالحوْلِ تنقضيأواخِرُه لا نلتقي وأوائلُه؟
قال أبوها لأخيها: قُمْ بنا، فما ينبغي لنا بعد هذا اليوم أنْ نمنع هذا الرَّجل منْ إتيانها!
(١) في الأغاني (٨/ ١٠٥)، وتزيين الأسواق (١/ ١٠٣). والأبيات في ديوان جميل (ص ١٦٩) وهناك التخريج وبيان اختلاف النسبة.
الباب الرابع والعشرون في ارتكاب سبيل الحرام وما يفضي إليه من المفاسد والآلام
حقيقٌ بكل عاقل ألَّا يسلك سبيلًا حتَّى يعلم سلامتها، وآفاتها، وما توصل إليه تلك الطريق من سلامة، أو عطب، وهذان السبيلان هلاك الأولين والآخرين بهما، وفيهما من المعاطب والمهالك ما فيهما، ويفضيان بصاحبهما إلى أقبح الغايات، وشر موارد الهلكات، ولهذا جعل سبحانه سبيل الزنى شر سبيل، فقال تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾[الإسراء/ ٣٢] فإذا كانت هذه سبيل الزنا فكيف بسبيل اللواط التي تعدل الفعلة منه في الإثم والعقوبة أضعافها، وأضعاف أضعافها من الزنى؟ كما ستقف عليه إن شاء الله.
فأما سبيل الزنى؛ فأسوأُ سبيل، ومقيلُ أهلها في الجحيم شرُّ مقيل، ومستقرُّ أرواحهم في البرزخ في تنُّور من نار، يأتيهم لهيبها من تحتهم، [١٣٤ ب] فإذا أتاهم اللهب؛ ضجُّوا، وارتفعوا، ثم يعودون إلى موضعهم، فهم هكذا إلى يوم القيامة، كما رآهم النبي ﷺ في منامه، ورؤيا الأنبياء وحيٌ لا شكَّ فيه.
فروى البخاريُّ في صحيحه١ من حديث سمرة بن جندب قال:
(١) رقم (٨٤٥ ومواضع أخرى). وأخرجه أيضًا مسلم (٢٢٧٥).