فيسبح، [١٣٥ أ] ثمَّ يرجع إليه، كلما رجع إليه؛ فغر فاه، فألقمه حجرًا، قلت لهما: ما هذان؟ قال: قالا لي: انطلق، انطلق.
فانطلقنا، فأتينا على رجلٍ كريهِ المرآة كأكرهِ ما أنت راءٍ رجلًا، وإذا عنده نارٌ يحُشُّها، ويسعى حولها، قال: قلت لهما: ما هذا؟ قال: قالا لي: انطلق، انطلق. فانطلقنا، فأتينا على روضة مُعتمة فيها من كل نور الربيع، وإذا بين ظهري الروضة رجلٌ طويل، لا أكاد أرى رأسه طولًا في السماء، وإذا حول الرجل من أكثر ولدان رأيتهم قطُّ، قال: قلت: ما هؤلاء؟ قال: قالا لي: انطلق، انطلق. فانطلقنا فأتينا على دوحةٍ لم أر دوحةً قطُّ أعظم منها، ولا أحسن، قال: قالا لي: ارْقَ فيها، فارتقينا فيها إلى مدينة مبنية بلَبِنِ ذهبٍ، ولَبِنِ فضة، قال: فأتينا باب المدينة، فاستفتحنا، ففتح لنا، فدخلناها، فتلقانا رجال شطرٌ من خلقهم كأحسن ما أنت راءٍ، وشطرٌ منهم كأقبح ما أنت راءٍ، قال: فقالا لهم: اذهبوا فقَعُوا في ذلك النهر. قال: وإذا نهر معترضٌ يجري كأنَّ ماءه المحضُ في البياض، فذهبوا فوقعوا فيه، ثم رجعوا إلينا قد ذهب ذلك السوءُ عنهم، فصاروا في أحسن صورة، قال: قالا لي: هذه جنة عدن، وهذاك منزلك. قال: فسما بصري صُعدًا، فإذا قصرٌ مثل الرَّبابة البيضاء. قال: قالا لي: هذاك منزلك. قال: قلت لهما: بارك الله فيكما! فذراني، فأدخله. قالا: أما الآن؛ فلا، وأنت داخله! قال: قلت لهما: فإني رأيت منذ الليلة عجبًا، فما هذا الذي رأيت؟ قال: قالا لي: إنا سنخبرك: أما الرجل الأول الذي أتيت عليه يُثلَغُ رأسُه بالحجر؛ فإنه الرجل يأخذ القرآن، فيرفضه، وينام عن الصلاة المكتوبة. وأما الرجل
الذي أتيت عليه يُشرشَر شِدقُه إلى قفاه، ومنخره إلى قفاه، وعينه إلى قفاه؛ فإنه الرجلُ يغدو من بيته، فيكذب الكذبة، [١٣٥ ب] تبلغ الآفاق. وأما الرجال والنساء العراة الذين هم في مثل بناء التنور؛ فإنهم الزُّناةُ والزَّواني. وأما الرجل الذي أتيت عليه يسبح في النهر، ويُلقَمُ الحجر؛ فإنه آكل الربا.
وأما الرجل الكريه المرآة الذي عند النار يحُشُّها، ويسعى حولَها فإنه مالك خازن جهنم. وأما الرجل الطويل الذي في الروضة؛ فإنه إبراهيم. وأما الولدان الذين حوله؛ فكل مولود مات على الفطرة. فقال بعض المسلمين: يا رسول الله! وأولاد المشركين؟ قال: وأولاد المشركين. وأما القوم الذين كانوا شطرٌ منهم حسنٌ، وشطر منهم قبيح؛ فإنهم قوم خلطوا عملًا صالحًا وآخر سيئًا، تجاوز الله عنهم».
وقال أبو مسلم الكجي١: حدثنا صدقة بن جابر عن سليم بن عامر، قال: حدثني أبو أمامة الباهلي قال: سمعت النبي ﷺ يقول: «بينا أنا نائم؛ إذ أتاني رجلان، فأخذا بضَبْعيَّ، فأخرجاني، فأتيا بي جبلًا وعرًا، وقالا لي: اصعد، فقلت: إني لا أُطيقه. فقالا لي: سنُسهِّلُه لك. قال: فصعدتُ حتى إذا كنتُ في سواء الجبل؛ إذا أنا بأصوات شديدة، فقلت: ما هذه الأصوات؟ فقالا: هذا عُواء أهل النار، ثم انطلق بي فإذا بفوج أشد شيءٍ
(١) أخرجه عنه الخرائطي (ص ١٠٥). وأخرجه أيضًا النسائي في الكبرى (٣٢٧٣)، وابن خزيمة (١٩٨٦)، والحاكم (١/ ٤٣٠) من طرقٍ عن ابن جابر به.