روضة المحبين

ومن موجباته: غضب الرب بإفساد حرمه وعياله، ولو تعرض رجلٌ إلى ملك من الملوك بذلك؛ لقابله أسوأ مقابلة. ومنها: سواد الوجه، وظلمته وما يعلوه من الكآبة والمقت الذي يبدو عليه للناظرين، ومنها: ظلمة القلب، وطمس نوره، وهو الذي أوجب طمسَ نور الوجه، وغشيان الظلمة له. ومنها: الفقر اللازم.

وفي أثرٍ: «يقول الله تعالى: أنا الله مهلك الطغاة، ومفقر الزناة»١. ومنها: أنه يُذهِب حرمة فاعله، ويسقطه من عين ربه، ومن أعين عباده. ومنها: أنه يَسلُبه أحسن الأسماء، وهو اسم العفة، والبر، والعدالة، ويعطيه أضدادها، كاسم الفاجر، والفاسق، والزاني، والخائن.

ومنها: أنه يسلبه اسم المؤمن، كما في الصحيح٢ [١٣٧ ب] عن النبي ﷺ أنه قال: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن». فسلبه اسم الإيمان المطلق، وإن لم يسلب عنه مطلق الإيمان.

وسئل جعفر بن محمد عن هذا الحديث، فخطَّ دائرة في الأرض، وقال: هذه دائرة الإيمان، ثم خط دائرة أخرى خارجة عنها، وقال: هذه دائرة الإسلام، فإذا زنى العبد خرج من هذه، ولم يخرج من هذه.

ولا يلزم من ثبوت جزء ما من الإيمان له أن يسمى مؤمنًا، كما أن

  1. (١) رواه ابن الجوزي في ذم الهوى (ص ١٩٢) عن ابن عمر.
  2. (٢) أخرجه البخاري (٢٤٧٥)، ومسلم (٥٧) من حديث أبي هريرة.
494

الرجل يكون معه جزءٌ ما من العلم، والفقه، ولا يسمى به: عالمًا فقيهًا، ومعه جزءٌ من الشجاعة، والجود، ولا يسمى بذلك: شجاعًا، ولا جوادًا، وكذلك يكون معه شيءٌ من التقوى ولا يسمى: متقيًا. ونظائره، فالصواب إجراء الحديث على ظاهره، ولا يتأول بما يخالف ظاهره، والله أعلم.

ومنها: أنه يعرض نفسه لسكنى التنُّور الذي رأى النبي ﷺ فيه الزناة والزواني. ومنها: أنه يفارقه الطيب الذي وصف الله به أهل العفاف، ويستبدل به الخبث الذي وصف الله به الزناة، كما قال تعالى: ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ﴾ [النور/ ٢٦].

فقد حرم الله الجنة على كل خبيث، بل جعلها مأوى الطيبين، ولا يدخلها إلا طيب. قال تعالى: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النحل/ ٣٢]. وقال تعالى: ﴿وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ [الزمر/ ٧٣]. فإنما استحقوا سلام الملائكة، ودخول الجنة بطيبهم، والزناة من أخبث الخلق، وقد جعل الله سبحانه جهنم دار الخبث وأهله، فإذا كان يوم القيامة ميز الخبيث من الطيب، وجعل الخبيث بعضه على بعض، ثم ألقاه، وألقى أهله في جهنم، فلا يدخل النار طيب ولا يدخل الجنة خبيث.

ومنها: الوحشة التي يضعها الله في قلب الزاني، [١٣٨ أ] وهي نظير

495

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي