بك؟ صفيه لي! قالت: أجد في أحشائي نيرانًا تتوقد، لا يقدر على إطفائها أحدٌ، ولا تسأل عما وراء ذلك، فرحمها، ورقَّ لها، وبعث إلى مولاها فسأل عن خبره، فوجد عنده مثل الذي عندها، فأحضره، فردَّ الجارية عليه، ووهب له من ثمنها خمسين ألفًا، فلم تزل عنده مدةً طويلةً، وبلغ عبد الله بن طاهر خبرها، وهو بخُراسان، فكتب إلى خليفته بالكوفة يأمره أن ينظر، فإن كان هذا الشعر الذي ذُكر له من قبل الجارية؛ أن يشتريها له بما ملكت يمينه، فركب إلى مولى الجارية، فخبَّره بما كتب إليه عبد الله بن طاهر، فلم يجد سيد الجارية بدًّا من عرضها عليه، وهو كارهٌ، فأراد الأمير أن يعلم ما عند الجارية فأنشأ يقول:
بديعُ حسنٍ رشيقُ قدٍّجعلته منه لي ملاذا
فأجابته الجارية:
فعاتبوه فزاد عشقًافمات شوقًا فكان ماذا
فعلم أنها تصلح له، فاشتراها بمئتي ألف درهم، فجهزها، وحملها إلى عبد الله بن طاهر إلى خراسان، فلما صارت إليه؛ اختبرها، فوجدها على ما أراد، فغلبته على عقله، ويقال: إنها أمُّ محمد بن عبد الله بن طاهر، ولم تزل ألطافها وجوائزها تأتي مولاها الأول حتى ماتت.
وقال عمر بن شبة١: حدثنا أيوب بن عمر الغفاري قال: طلق عبد الله
(١) أخرج عنه الخرائطي (ص ٢٣٩).
ابن عامر امرأته ابنة سهل بن عمرو، فقدمت المدينة ومعها ابنةٌ لها، ومعها وديعةُ جوهر، استودعها إياهُ، فتزوجها الحسن بن علي بن أبي طالب ــ ﵁ ــ ثمَّ أراد ابن عامر الحجَّ، فأتى المدينة، فلقي الحسن، فقال: يا أبا محمد! إن لي إلى ابنة سهل حاجةً، فأُحبُّ أن تأذن لي عليها، فقال لها الحسن: البسي ثيابك، فهذا ابن عامر يستأذنُ عليك، فدخل عليها، فسألها وديعته، فجاءته بها عليها خاتمه. فقال لها: خذي ثلثها! فقالت: ما كنتُ لآخذ على أمانةٍ ائتُمنتُ عليها شيئًا أبدًا! ثم أقبل عليها ابنُ عامر، فقال: إنَّ ابنتي قد بلغت، فأُحبُّ أن تُخلّي بيني وبينها، فبكت، وبكت ابنتُها، فرقَّ ابن عامر، فقال الحسن: فهل لكما؟ فوالله ما من محلل خيرٌ مني، قال: فوالله لا أُخرجها من عندك أبدًا، فكفلها حتى مات.
وذكر الزمخشري في «ربيع الأبرار»١: أن زبيدة بنت أبي جعفر قرأت في طريق مكة على حائط:
أما في عباد الله أو في إمائهكريمٌ يُجلِّي الهمَّ عن ذاهب العقل
له مقلةٌ أما المآقي قريحةوأما الحشا فالنارُ منه على رجل
فنذرت أن تحتال لقائلها، حتى تجمع بينه وبين من يحبه، قالت: فإني لبالمزدلفة؛ إذ سمعت من ينشدهما، فاستدعيتُ به، فزعم أنه قالهما في بنت عمٍّ له، قد حلف [١٤٨ ب] أهلها ألَّا يزوجوها منه،