روضة المحبين

وقال علي بن قريش الجرجاني١:

شكوتُ بلاءً لا أطيق احتمالهوقلبي مطيعٌ للهوى غيرُ دافع
فأُقسم ما تركي عتابك عن قلىولكن لعلمي أنه غيرُ نافع
وإني متى لم ألزم الصبر طائعًافلا بدَّ منه مكرهًا غير طائع
إذا أنت لم يعطفك إلا شفاعةٌفلا خير في ودٍّ يكون بشافع

وكان أبو السائب المخزومي٢ أحد القراء والفقهاء، فرُئي متعلقًا بأستار الكعبة، وهو يقول: اللهم ارحم العاشقين! واعطف عليهم قلوب المعشوقين. فقيل له في ذلك: فقال: الدعاء لهم أفضلُ من عمرةٍ من الجعرانة.

وذكر أحمد بن الفضل الكاتب٣: أن غلامًا وجارية كانا في كتَّاب فهويها الغلام، فلم يزل يتلطَّف لمعلّمه حتى سيَّره قريبًا لها، فلما كان في بعض أيامه في غفلة من الغلمان كتب في لوح الجارية:

ماذا تقولين فيمن شفَّه سقمٌمن طول حبك حتى صار حيرانا؟

فلما قرأته الجارية؛ اغرورقت عيناها بالدموع رحمةً له، وكتبت تحته:

إذا رأينا محبًا قد أضرَّ بهطولُ الصبابة أوليناهُ إحسانا
  1. (١) في اعتلال القلوب (ص ٢٤٠): «أنشدني علي»، والأبيات للعباس بن الأحنف في ديوانه.
  2. (٢) سبق تخريج الخبر.
  3. (٣) أخرج عنه الخرائطي (ص ٢٣٣). والبيتان في خبر آخر في مصارع العشاق (٢/ ٢٠٧)، وديوان الصبابة (ص ٢٠٤). وهما لعلي بن الجهم في ديوانه (ص ٢١٦).
531

وذكر الهيثم بن عدي١ عن محمد بن زياد: أن الحارث بن السليل الأزدي خرج زائرًا لعلقمة بن حزم الطائي، وكان حليفًا له، فنظر إلى ابنة له تُدعى الرباب، وكانت [١٤٩ ب] من أجمل النساء، فأُعجب بها، وعشقها عشقًا حال بينه وبين الانصراف إلى أهله، فقال لعلقمة: إني أتيتك خاطبًا، وقد ينكح الخاطب، ويدرك الطالب، ويمنح الراغب. قال: كفوٌ كريم، فأقم ننظر في أمرك، ثم انكفأ إلى أم الجارية، فقال لها: إن الحارث سيد قومه حسبًا، ومنصبًا، وبيتًا، فلا ينصرفنَّ من عندنا إلا بحاجته، فشاوري ابنتك وأديريها عمَّا في نفسها.

فقالت لها: أي بُنيَّة، أي الرجال أعجبُ إليك؟ الكهلُ الجحجاحُ، المُفضلُ الميَّاح، أم الفتى الوضاح، الملولُ الطمَّاح؟ قالت: الفتى الوضاح. فقالت: إن الفتى يُغيرك، وإن الشيخ يُميرك، وليس الكهلُ الفاضلُ، الكثيرُ النَّائل كالحديث السن، الكثير المن. فقالت: يا أمَّاه أُحبُّ الفتى، كحبِّ الرِّعاءِ أنيقَ الكلأ. قالت: أي بُنية! إنَّ الفتى شديد الحِجاب، كثيرُ العتاب. قالت: يا أمَّاه أخشى من الشيخ أن يُدنِّس ثيابي، ويُبلي شبابي، ويشمت بي أترابي. فلم تزل بها الأُمُّ حتى غلبتها على رأْيها، فتزوَّجها الحارثُ على خمسين ومئةٍ من الإبل، وخادم، وألف

  1. (١) أخرج عنه الخرائطي (ص ١٥٧ - ١٥٨). والخبر في عيون الأخبار (٤/ ٤٧، ٤٨). والخبر مع الشعر في المحاسن والأضداد (ص ٢٣٧ - ٢٣٨)، وجمهرة الأمثال (١/ ٢٦٢، ٢٦٣)، ومجمع الأمثال (١/ ١٢٢، ١٢٣).
532

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي