درهم، فبنى بها، وكانت عنده أحبَّ شيءٍ إليه، فارتحل بها إلى أهله، فإنه لجالسٌ يومًا بفناء مظلَّته وهي إلى جانبه؛ إذا أقبل فِتيةٌ يعتلجون الصراع، فتنفَّست الصُّعداء، ثم أرسلت عينيها بالبُكاء، فقال: ما يبكيك؟ فقالت: ما لي وللشُّيوخ، الناهضين كالفروخ! فقال: ثكلتك أُمك قد تجوع الحرة ولا تأكل بثدييها! فسارت مثلًا، أي: لا تكون ظئرًا، وكان أول من نطق بها، ثم قال: لرُبَّ غارةٍ شهدتُها، وسبيَّةٍ أردفتُها، وخمرةٍ شربتُها، الحقي بأهلك، فلا حاجة لي فيك، ثم أنشأ يقول:
وعيَّرت أن رأتني لابسًا كبرًاوغايةُ النفس بين الموت والكبر
فإن بقيت رأيتِ الشيب راغمةًوفي التفرق ما يقضي من العبر
وإن يكن قد علا رأسي وغيَّرهصرفُ الزَّمان وتقتيرٌ من الشعر [١٥٠ أ]
فقد أروحُ للذَّاتِ الفتى جذلًاوهمَّتي لم تشب فاستخبري أثري
الباب السادس والعشرون في ترك المحبين أدنى المحبوبَينِ رغبةً في أعلاهما
هذا بابٌ لا يدخل فيه إلَّا النفوس الفاضلة الشريفة الأبيةُ؛ التي لا تقنع بالدون، ولا تبيع الأعلى بالأدنى بيع العاجز المغبون، ولا يملكها لطخ جمالٍ مُغَشًّى على أنواع من القبائح، كما قال بعض الأعراب وقد نظر إلى امرأةٍ مبرقعة١:
إذا بارك الله في ملبسٍفلا بارك الله في البرقع
يُريك عيون المها حسرةًويكشف عن منظر أشنع
وقال آخر٢:
لا يغرَّنك ما ترى من نقابٍإن تحت النِّقاب داءً دويَّا
فالنفس الأبيةُ لا ترضى بالدُّون. وقد عاب الله سبحانه أقوامًا استبدلوا طعامًا بطعام أدنى منه، فنعى ذلك عليهم، وقال: ﴿أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ﴾
[البقرة/ ٦١]، وذلك دليلٌ
- (١) البيتان في العقد الفريد (٦/ ٤١٢) ضمن خبر طويل.
- (٢) أصل هذا البيت (برواية «من أناس» و«تحت الضلوع») لسديف بن ميمون في عيون الأخبار (١/ ٢٠٨)، والشعر والشعراء (٢/ ٧٦١)، والكامل للمبرد (٣/ ١٣٦٦)، وطبقات الشعراء لابن المعتز (ص ٤٠)، والأغاني (٤/ ٣٤٨)، والعقد (٤/ ٤٨٦).