الباب السادس والعشرون في ترك المحبين أدنى المحبوبَينِ رغبةً في أعلاهما
هذا بابٌ لا يدخل فيه إلَّا النفوس الفاضلة الشريفة الأبيةُ؛ التي لا تقنع بالدون، ولا تبيع الأعلى بالأدنى بيع العاجز المغبون، ولا يملكها لطخ جمالٍ مُغَشًّى على أنواع من القبائح، كما قال بعض الأعراب وقد نظر إلى امرأةٍ مبرقعة١:
إذا بارك الله في ملبسٍفلا بارك الله في البرقع
يُريك عيون المها حسرةًويكشف عن منظر أشنع
وقال آخر٢:
لا يغرَّنك ما ترى من نقابٍإن تحت النِّقاب داءً دويَّا
فالنفس الأبيةُ لا ترضى بالدُّون. وقد عاب الله سبحانه أقوامًا استبدلوا طعامًا بطعام أدنى منه، فنعى ذلك عليهم، وقال: ﴿أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ﴾[البقرة/ ٦١]، وذلك دليلٌ
(١) البيتان في العقد الفريد (٦/ ٤١٢) ضمن خبر طويل.
(٢) أصل هذا البيت (برواية «من أناس» و«تحت الضلوع») لسديف بن ميمون في عيون الأخبار (١/ ٢٠٨)، والشعر والشعراء (٢/ ٧٦١)، والكامل للمبرد (٣/ ١٣٦٦)، وطبقات الشعراء لابن المعتز (ص ٤٠)، والأغاني (٤/ ٣٤٨)، والعقد (٤/ ٤٨٦).
على وضاعة النفس، وقلة قيمتها.
وقال الأصمعي١: خلا رجلٌ من الأعراب بامرأةٍ، فهمَّ بالريبة، فلما تمكن منها تنحَّى سليمًا، وجعل يقول: إن امرأً باع جنةً عرضها السموات والأرض بفتر ما بين رجليك لقليل البصر بالمساحة.
وقال أبو أسماء٢: دخل رجلٌ غيضةً، فقال: لو خلوتُ هاهنا بمعصية من كان يراني؟ فسمع صوتًا ملأ ما بين لابتي الغيضة ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾[الملك/ ١٤].
وقال الإمام أحمد٣: حدثنا هيثم ــ هو ابن خارجة ــ، حدثنا إسماعيل بن عياش عن عبد الرحمن بن عدي البهراني، عن يزيد بن ميسرة، قال: إن الله تعالى يقول: أيها الشابُّ التاركُ شهوته لي، المتبذلُ شبابه من أجلي، أنت عندي كبعض ملائكتي!
وذكر إبراهيم بن الجنيد٤: أن رجلًا راود امرأةً عن نفسها، فقالت له: أنت قد سمعت القرآن والحديث، [١٥٠ ب] فأنت أعلم! قال:
(١) أخرج عنه الخرائطي (ص ٦٦)، وابن الجوزي في ذم الهوى (ص ٢٦٠).
(٢) أخرج عنه الخرائطي (ص ٦٦).
(٣) في «الزهد» (ص ١٠٦). وأخرجه أيضًا ابن المبارك في الزهد (٣٤٦)، والخرائطي (ص ٦٠)، وأبو نعيم في الحلية (٥/ ٢٣٧)، وابن الجوزي في ذم الهوى (ص ٥٣ - ٥٤).
(٤) أخرج عنه الخرائطي (ص ٦٦)، وابن الجوزي (ص ٢٧٤).