وما زُرْتُ ليلى أنْ تكونَ حبيبةًإليَّ ولا دَينٌ لها أنَا طالِبُه
وقد استعملوه بمعنى المُحِبِّ، قال الشاعر١:
وما هجَرَتْكِ النَّفْسُ أنَّكِ عندَهاقليلٌ ولا أَنْ قلَّ مِنْكِ نصيبُها
ولكنَّهم يا أحسنَ النَّاسِ أُولِعُوابقولٍ إذا ما جئتُ: هذا حبيبُها
فهذا يحتملُ أن يكونَ بمعنى المحبوب، وأن يكونَ بمعنى المُحِبّ. وأما الحِبُّ بكسر الحاء فلغة في الحُبّ، وغالب استعماله بمعنى المحبوب٢. قال في الصحاح٣: الحُبّ: المحبة، وكذلك الحِبُّ بالكسر. والحِبّ أيضًا الحبيب مثل خِدْنٍ وخَدِين.
قلت: وهذا نظير ذِبْحٍ بمعنى مذبوح، ونِهْبٍ بمعنى منهوب، ورِشْقٍ بمعنى مرشوق، ومنه السِّبُّ، [٨ ب] ويشترك فيه الفاعل والمفعول. قال أبو عُبيد: السِّبُّ بالكسر: الكثير السِّباب. قال الجوهري٤: وسِبُّك:
(١) «الشاعر» ساقطة من ت. والبيتان للمجنون في «ديوانه» (ص ٦٨، ٧٠، ٧١). ونُسِبا لنُصيب في «شعر نصيب» (ص ٦٨)، وللأحوص أو نصيب في «المحب والمحبوب» (٢/ ٩٣، ٩٤). وانظر التخريج واختلاف الروايات في هذه المصادر.
(٢) «وأن يكون ... المحبوب» ساقطة من ش.
(٣) (١/ ١٠٥).
(٤) «الصحاح» (١/ ١٤٥). ونقل أيضًا قول أبي عبيد.
الذي يُسَابُّك، قال حسان١:
لا تَسُبَّنَّنِي فلستَ بِسِبِّيْإنَّ سِبِّي من الرجالِ الكريمُ
والصَّوابُ أنَّه عبد الرحمن بن حسَّان. وقد يشتركُ فيه المصدر والمفعول نحو: رِزْق. وفي إعطائهم ضمَّة الحاء للمصدر وكسرتها للمفعول سرٌّ لطيف، فإنَّ الكسرةَ أخفُّ من الضمة، والمحبوبُ أخفُّ على قلوبهم من نفس الحُبّ، فأعطَوُا الحركَةَ الخفيفة للأخفِّ، والثقيلَةَ للأثقل. ويُقال: أحَبَّهُ حُبًّا ومحبّةً، والمحبَّة أُمُّ هذه٢ الأسماء.
فصل
وأما كلامُ النَّاس في حدِّها فكثير. فقيل: هي الميل الدائم بالقلب الهائم. وقيل: إيثار المحبوب على جميع المصحوب. وقيل: موافقة الحبيب في المَشهد والمَغيب. وقيل: اتِّحاد مُراد المحبِّ ومراد المحبوب. وقيل: إيثار مُراد المحبوب على مُراد المحبِّ. وقيل: إقامة الخدمة مع القيام بالحُرْمة. وقيل: استقلالُ الكثير منك لمحبوبك، واستكثارُ القليل منه إليك. وقيل: استيلاء ذكر المحبوب على قلب المحبِّ. وقيل: حقيقتها أن تَهَبَ كلَّكَ لمن أحببتَه، فلا يبقى لك منك
(١) في «الصحاح»: «قال الشاعر». والبيت ليس لحسان، بل لابنه عبد الرحمن كما صوَّبه المؤلف، انظر: «لسان العرب» (سبب)، و«تهذيب اللغة» (١٢/ ٣١٢). وهو بلا نسبة في «مقاييس اللغة» (٣/ ٦٣)، و«مجمل اللغة» (٣/ ٥٧)، و«المخصص» (١٢/ ١٧٥).