روضة المحبين

ومن علامات المعرفة: الهيبةُ، فكلما ازدادت معرفة العبد بربه؛ ازدادت هيبتُه له، وخشيتهُ إياه، كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر/ ٢٨] أي: العلماء به. وقال النبي ﷺ: «أنا أعرفكم بالله، وأشدكم له خشية»١ ومن عرف الله؛ صفا له العيشُ، وطابتْ له الحياةُ، وهابه كلُّ شيءٍ، وذهب عنه خوفُ المخلوقين، وأنِسَ بالله، واستوحش من الناس، وأورثته المعرفة الحياء من الله، والتعظيم له، والإجلال، والمراقبة، والمحبة، والتوكل عليه، والإنابة إليه، والرضا به، والتسليم لأمره.

وقيل للجُنيد٢ ــ رحمه الله تعالى ــ: إن هاهنا أقوامًا يقولون: إنهم يَصِلُون إلى البرِّ بترك الحركات، فقال: هؤلاء قوم تكلموا بإسقاط الأعمال، وهو عندي عظيم، والذي يزني ويسرقُ أحسنُ حالًا من الذي يقول هذا، فإن العارفين بالله أخذوا الأعمال عن الله، وإلى الله رجعوا فيها، ولو بقيتُ ألف عامٍ لم أنقص من أعمال البرِّ شيئًا.

وقال: لا يكون العارفُ عارفًا حتى يكون كالأرض يطؤه البَرُّ، والفاجر، وكالمطر يسقي ما يُحب وما لا يُحبُّ.

وقال يحيى بن مُعاذ: يخرج العارف [١٥٥ أ] من الدُّنيا، ولا يقضي وطره من شيئين: بكاؤُه على نفسه، وشوقه إلى ربه. وقال بعضُهم: لا

  1. (١) أخرجه البخاري (٦١٠١، ٧٣٠١)، ومسلم (٣٥٦) من حديث عائشة.
  2. (٢) من هنا إلى ص ٥٥٤ منقول من الرسالة القشيرية (ص ٣١٥ - ٣٢٨، ٤٣٠).
551

يكون العارف عارفًا حتى لو أُعطي مُلْك سليمان؛ لم يشغلهُ عن الله طرفه عين. وقيل: العارف أنِسَ بالله، فأوحشه من غيره، وافتقر إلى الله، فأغناه عن خلقه، وذلَّ لله، فأعزَّهُ في خلقه.

وقال أبو سليمان الدَّارانيُّ: يُفتحُ للعارف على فراشه مالا يُفتح له وهو قائمٌ يُصلي.

وقال ذو النون: لكل شيء عقوبةٌ، وعقوبة العارف انقطاعه عن ذكر الله.

وبالجملة فحياةُ القلب مع الله لا حياة له بدون ذلك أبدًا، ومتى واطأ اللسانُ القلب في ذكره، واطأَ القلبُ مراد الحبيب منه، واستقلَّ له الكثير من قوله، وعمله، واستكثر له القليل من بره ولطفه، وعانق الطاعة، وفارق المخالفة، وخرج عن كله لمحبوبه، فلم يبق له منه شيءٌ، وامتلأ قلبه بتعظيمه، وإجلاله، وإيثار رضاه، وعز عليه الصبر عنه، وعدم القرار دون ذكره والرغبة إليه، والاشتياق إلى لقائه، ولم يجد الأُنس إلا بذكره، وحفظ حدوده، وآثره على غيره؛ فهو المحب حقًا.

وقال الجنيد: سمعت الحارث المُحاسبي يقول: المحبة ميلك إلى الشيء بكليتك، ثم إيثارُك له على نفسك، وزوجك، ومالك، ثم موافقتك له سرًّا وجهرًا، ثم علمك بتقصيرك في حبه.

وقيل: المحبةُ نارٌ في القلب تحرق ما سوى مراد الحبيب من محبِّه. وقيل: بل هي بذل المجهود في رضا الحبيب، ولا تصحُّ إلا

552

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي