ويحبونه، وأخبر أنهم أشد حبًّا [١٥٦ أ] لله، ووصف نفسه بأنه الودود، وهو الحبيب. قاله البخاري١. والوُدُّ: خالصُ الحب، فهو يودُّ عباده المؤمنين، ويودُّونه.
وقد روى البخاري في صحيحه٢ من حديث أنس بن مالك ــ ﵁ ــ قال: قال رسول الله ﷺ فيما يروي عن ربه ــ ﵎ ــ: أنه قال: «من أهان لي وليًّا؛ فقد بارزني بالمحاربة، وما تقرب إليَّ عبد ي بمثل أداء ما افترضتُ عليه، ولا يزالُ عبد ي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أُحبه، فإذا أحببته؛ كنتُ سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويدهُ التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، فبي يسمع، وبي يبصر، وبي يبطش، وبي يمشي، ولئن سألني لأُعطينه، ولئن استعاذ بي لأُعيذنه، وما ترددتُ عن شيء أنا فاعله تردُّدي عن قبض نفس عبدي المؤمن يكره الموت، وأكره مساءتهُ ولابد له منه».
(١) في صحيحه (١٣/ ٤٠٣).
(٢) أخرجه البخاري (٦٥٠٢) من حديث أبي هريرة. وأما حديث أنس فقد أخرجه الطبراني وأبو نعيم في الحلية (٨/ ٣١٨ - ٣١٩)، والبيهقي في الأسماء والصفات (ص ١٢١) من طريق صدقة بن عبد الله عن هشام الكناني عن أنس. وصدقة ضعيف. وانظر الكلام على طرق الحديث وشرحه في جامع العلوم والحكم (٢/ ٣٣٠ وما بعدها)، وفتح الباري (١١/ ٣٤١ وما بعدها)، والسلسلة الصحيحة (١٦٤٠).
وفي لفظ غير البخاري١: «فإذا أحببته؛ كنت له سمعًا، وبصرًا، ويدًا، ومؤيدًا». فتأمل كمال الموافقة في الكراهة، كيف اقتضى كراهة الرب تعالى لمساءة عبده بالموت لما كره العبد مساخط ربه! وكمال الموافقة في الإرادة، كيف اقتضى موافقته في قضاء حوائجه، وإجابة طلباته، وإعاذته مما استعاذ به، كما قالت عائشة ــ ﵂ ــ للنبي ﷺ: ما أرى ربك إلا يسارع في هواك٢.
وقال له عمه أبو طالب: يا ابن أخي! ما أرى ربك إلا يطيعك! فقال: «وأنت يا عم! لو أطعته؛ أطاعك»٣.
وفي تفسير ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله ﷿: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾[النساء/ ١٢٥] قال: حبيبًا قريبًا، إذا سألهُ؛ أعطاه، وإذا دعاه؛ أجابه. وأوحى الله تعالى إلى موسى ﵊: يا موسى! كن لي كما أُريد؛ أكن لك كما تريد.
وتأمل هذه الباء في قوله: فبي يسمع، وبي يبصر، وبي يبطش، وبي يمشي، كيف تجدها مبينة لمعنى قوله: كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره
(١) في حديث أنس المذكور.
(٢) أخرجه البخاري (٤٧٨٨)، ومسلم (١٤٦٤) عن عائشة.
(٣) أخرجه ابن عدي في الكامل (٧/ ١٠٢)، والبيهقي في دلائل النبوة (٦/ ١٨٤) من حديث أنس. وفي إسناده هيثم بن جماز البكاء، وهو ضعيف.