روضة المحبين

وفي لفظ غير البخاري١: «فإذا أحببته؛ كنت له سمعًا، وبصرًا، ويدًا، ومؤيدًا». فتأمل كمال الموافقة في الكراهة، كيف اقتضى كراهة الرب تعالى لمساءة عبده بالموت لما كره العبد مساخط ربه! وكمال الموافقة في الإرادة، كيف اقتضى موافقته في قضاء حوائجه، وإجابة طلباته، وإعاذته مما استعاذ به، كما قالت عائشة ــ ﵂ ــ للنبي ﷺ: ما أرى ربك إلا يسارع في هواك٢.

وقال له عمه أبو طالب: يا ابن أخي! ما أرى ربك إلا يطيعك! فقال: «وأنت يا عم! لو أطعته؛ أطاعك»٣.

وفي تفسير ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله ﷿: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء/ ١٢٥] قال: حبيبًا قريبًا، إذا سألهُ؛ أعطاه، وإذا دعاه؛ أجابه. وأوحى الله تعالى إلى موسى ﵊: يا موسى! كن لي كما أُريد؛ أكن لك كما تريد.

وتأمل هذه الباء في قوله: فبي يسمع، وبي يبصر، وبي يبطش، وبي يمشي، كيف تجدها مبينة لمعنى قوله: كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره

  1. (١) في حديث أنس المذكور.
  2. (٢) أخرجه البخاري (٤٧٨٨)، ومسلم (١٤٦٤) عن عائشة.
  3. (٣) أخرجه ابن عدي في الكامل (٧/ ١٠٢)، والبيهقي في دلائل النبوة (٦/ ١٨٤) من حديث أنس. وفي إسناده هيثم بن جماز البكاء، وهو ضعيف.
556

الذي يبصر به ... إلى [١٥٦ ب] آخره! فإن سمع؛ سمع بالله، وإن أبصر؛ أبصر به، وإن بطش؛ بطش به، وإن مشى؛ مشى به. وهذا تحقيق قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ [النحل/ ١٢٨] وقوله: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت/ ٦٩] وقوله: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال/ ١٩]، وقوله فيما رواه عنه رسوله: «أنا مع عبد ي ما ذكرني، وتحركت بي شفتاه»١. وهذا ضد قوله: ﴿أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنَا لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ وَلَا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ﴾ [الأنبياء/ ٤٣] فالصحبة التي نفاها هاهنا هي التي أثبتها لأحبابه، وأوليائه وتأمل كيف جعل محبته لعبده متعلقةً بأداء فرائضه! وبالتقرب إليه بالنوافل بعدها لا غير، وفي هذا تعزيةٌ لمدعي محبته بدون ذلك: أنه ليس من أهلها، وإنما معه الأماني الباطلة، والدعاوي الكاذبةُ.

وفي الصحيحين٢ من حديث أبي هريرة ــ ﵁ ــ: أن النبي ﷺ قال: «إذا أحب الله العبد؛ نادى جبريل: إن الله يحب فلانًا فأحبُّوه! فيُحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض». وفي لفظ

  1. (١) ذكره البخاري تعليقًا في صحيحه (١٣/ ٤٩٩). وأخرجه أحمد (٢/ ٥٤٠) والبخاري في خلق أفعال العباد (٣٤٤)، وابن المبارك في الزهد (٩٥٦) من حديث أبي هريرة مرفوعًا. وانظر فتح الباري (١٣/ ٥٠٠)، وتغليق التعليق (٥/ ٣٦٣).
  2. (٢) البخاري (٦٠٤٠)، ومسلم (٢٦٣٧/ ١٥٧).
557

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي