ولا تقرب الأمر الحرام فإنَّماحلاوته تفنى ويبقى مريرُها
وكان سفيان الثوري يتمثَّل بهذين البيتين١:
تفنى اللَّذاذةُ ممن نال صفوتَهامن الحرامِ ويبقى الإثم والعار
تبقى عواقب سوءٍ في مغبَّتهالا خيرَ في لذَّةٍ من بعدها النَّار
فصل
واعلم أنَّ الجزاء من جنس العمل، والقلب المعلَّق بالحرام كلَّما همَّ أن يفارقه، ويخرج منه؛ عاد إليه، ولهذا يكون جزاؤه في البرزخ وفي الآخرة هكذا.
وفي بعض طرق حديث سمرة بن جندب الَّذي في صحيح البخاري٢: أنَّ النَّبي ﷺ قال: «رأيت الليلة: رجلان أتياني، فأخرجاني، فانطلقت معهما، فإذا بيتٌ مبنيٌّ على مثل بناء التَّنُّور، أعلاهُ ضيِّقٌ، وأسفلُهُ واسع، يوقد تحته نار، فيه رجالٌ ونساءٌ عُراة، فإذا أوقدت النار؛ ارتفعوا حتَّى يكادوا أن يخرجوا، فإذا خمدت رجعوا فيها، فقلت: ما هؤلاء؟ قال: هم الزُّناة». فتأمَّل مطابقة هذا العذاب لحال قلوبهم في الدنيا، فإنَّه كلَّما همُّوا بالتوبة والإقلاع، والخروج من تنُّور نار الشهوة إلى فضاء التوبة؛ أُركسوا فيه، وعادوا بعد أن كادوا يخرجون.
(١) سبقا.
(٢) برقم (٧٠٤٧).
ولمَّا كان الكفار في سجن الكفر والشرك وضيقه، وكانوا كلَّما همُّوا بالخروج منه إلى فضاء الإيمان وسعته وروحه؛ رجعوا على حوافرهم؛ كانت عقوبتهم في الآخرة كذلك، قال الله تعالى: ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا﴾[السجدة/ ٢٠] وقال في موضع آخر: ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا﴾[الحج/ ٢٢] فالكفرُ والمعاصي، والفسوق [١٦٩ أ] كلُّه غموم، وكلَّما عزم العبد أن يخرج منه؛ أبت عليه نفسه وشيطانه ومألفُه، فلا يزالُ في غمِّ ذلك حتَّى يموت، فإن لم يخرج من غمِّ ذلك في الدنيا؛ بقي في غمِّه في البرزخ، وفي القيامة، وإن خرج من غمِّه، وضيقه هاهنا؛ خرج منه هناك، فما حبس العبد عن الله في هذه الدَّار حبسه عنه بعد الموت، وكان معذَّبًا به هناك كما كان قلبه معذبًا به في الدنيا، فليس الفسَّاق والفجرة والظَّلمة في لذَّةٍ في هذه الدار، وإنَّما هم مُعذبون فيها وفي البرزخ وفي القيامة، ولكن سكر الشَّهوة وموت القلوب حال بينهم وبين الشعور بالألم، فإذا حيل بينهم وبين ما يشتهون؛ أحضرت نفوسُهم الألمَ الشديد، وصار يعمل فيها بعد الموت نظير ما يعمل الدود في لحومهم. فالآلام تأكل أرواحهم، غيرَ أنَّها لا تفنى، والدُّودُ يأكل جسومهم.
قال الإمام أحمد١ ــ ﵁ ــ: حدَّثنا إسماعيل بن عبدالكريم،