روضة المحبين

تسأله شيئًا، فقال: لا، أو تمكِّنيني من نفسك، فرجعت، فجهدوا جهدًا شديدًا فرجعت إليه، فقالت: أعطنا! فقال: لا، أو تمكنيني من نفسك، فرجعت، فجهدوا جهدًا كثيرًا، فأرسلوها إليه، فقال لها ذلك، فقالت: دونك! فلمَّا خلا بها؛ جعلت تنتفض، كما تنتفض السَّعَفَة. فقال لها: ما لك؟! قالت: أخاف الله هذا شيءٌ لم أصنعه قطُّ! قال: أنتِ تخافين الله، ولم تصنعيه، وأفعلُه؟ أُعاهد الله أنِّي لا أرجع إلى شيءٍ ممَّا كنتُ فيه! فأوحى الله إلى نبيٍّ من أنبيائهم: أنَّ كتاب فلان أصبح في كتب أهل الجنَّة!

وذُكِر١: أنَّ شابًّا في بني إسرائيل لم يكن فيهم شابٌّ أحسن منه، كان يبيع المكاتل، فبينا هو ذات يوم يطوف بمكاتله، إذ خرجت امرأة من دار ملكٍ من ملوك بني إسرائيل، فلما رأته رجعت مبادرة فقالت لابنة الملك: إني رأيت شابًّا بالباب يبيع المكاتل، لم أرَ شابًّا قطُّ أحسن منه، قالت: أدخليه! فخرجت، فقالت: ادخل، فدخل، فأغلقت الباب دونه، ثمَّ قالت: ادخل، فدخل، فأغلقت بابًا آخر دونه، ثمَّ استقبلته بنتُ الملك كاشفةً عن وجهها، ونحرها، فقال لها: استتري، عافاك الله! فقالت: إنَّا لم ندعُك لهذا! وإنَّما دعوناك لكذا، وراودته عن نفسه، فقال لها: اتقي الله! فقالت: إنَّك إن لم تطاوعني على ما أريد؛ أخبرت الملك أنَّك إنَّما دخلت تكابدني على نفسي، فقال لها: فضعي لي وضوءًا،

  1. (١) أخرجه ابن الجوزي (ص ٢٥١ - ٢٥٢).
610

فقالت: أعليَّ تتعلَّل؟ يا جارية! ضعي له وضوءًا فوق الجَوسَق ــ مكانًا لا يستطيع أن يفرَّ منه ــ فلمَّا صار في أعلى الجوسق؛ قال: اللَّهم إنِّي دُعِيْتُ إلى معصيتك، وإنِّي أختار أن أُلقي نفسي من هذا الجوسق، ولا أركب معصيتك! ثمَّ قال: باسم الله، وألقى نفسه من أعلاه، فأهبط الله ملكًا أخذ بضَبْعَيه، فوقع قائمًا على رجليه، [١٧٣ أ] فلمَّا صار في الأرض؛ قال: اللَّهم إن شئت رزقتني رزقًا يغنيني عن بيع هذه المكاتل! فأرسل الله عليه رِجلًا من جراد من ذهبٍ، فأخذ منه حتى ملأ ثوبه، فلمَّا صار في ثوبه؛ قال: اللهم إن كان هذا رزقًا رزقتنيه من الدُّنيا؛ فبارك لي فيه! وإن كان ينقصني ممَّا لي عندك في الآخرة فلا حاجة لي فيه! فنودي: إنَّ هذا الَّذي أعطيناك جزءٌ من خمسة وعشرين جزءًا لصبرك على إلقائك نفسك! فقال: اللهم لا حاجة لي فيما ينقصني ممَّا لي عندك في الآخرة! فرُفِعَ الجراد.

وذكر أبو الفرج ابن الجوزي١ عن رجل من بعض المياسير قال: بينا أنا يومًا في منزلي؛ إذ دخل عليَّ خادمٌ لي، فقال لي: رجلٌ بالباب معه كتاب، فقلت: أدخله، أو خذ كتابه. فأخذ الكتاب منه، فإذا فيه:

تجنَّبك الرَّدى ولقيتَ خيرًاوسلَّمك المليك من الغموم
شكونَ بناتُ أحشائي إليكموما إن يشتكين إلى ظلوم
  1. (١) في ذم الهوى (ص ٢٣١ - ٢٣٤) بطوله. والخبر والشعر في مصارع العشاق (٢/ ٢٧١ - ٢٧٤)، وتزيين الأسواق (١/ ٣١٦).
611

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي