فقالت: أعليَّ تتعلَّل؟ يا جارية! ضعي له وضوءًا فوق الجَوسَق ــ مكانًا لا يستطيع أن يفرَّ منه ــ فلمَّا صار في أعلى الجوسق؛ قال: اللَّهم إنِّي دُعِيْتُ إلى معصيتك، وإنِّي أختار أن أُلقي نفسي من هذا الجوسق، ولا أركب معصيتك! ثمَّ قال: باسم الله، وألقى نفسه من أعلاه، فأهبط الله ملكًا أخذ بضَبْعَيه، فوقع قائمًا على رجليه، [١٧٣ أ] فلمَّا صار في الأرض؛ قال: اللَّهم إن شئت رزقتني رزقًا يغنيني عن بيع هذه المكاتل! فأرسل الله عليه رِجلًا من جراد من ذهبٍ، فأخذ منه حتى ملأ ثوبه، فلمَّا صار في ثوبه؛ قال: اللهم إن كان هذا رزقًا رزقتنيه من الدُّنيا؛ فبارك لي فيه! وإن كان ينقصني ممَّا لي عندك في الآخرة فلا حاجة لي فيه! فنودي: إنَّ هذا الَّذي أعطيناك جزءٌ من خمسة وعشرين جزءًا لصبرك على إلقائك نفسك! فقال: اللهم لا حاجة لي فيما ينقصني ممَّا لي عندك في الآخرة! فرُفِعَ الجراد.
وذكر أبو الفرج ابن الجوزي١ عن رجل من بعض المياسير قال: بينا أنا يومًا في منزلي؛ إذ دخل عليَّ خادمٌ لي، فقال لي: رجلٌ بالباب معه كتاب، فقلت: أدخله، أو خذ كتابه. فأخذ الكتاب منه، فإذا فيه:
تجنَّبك الرَّدى ولقيتَ خيرًاوسلَّمك المليك من الغموم
وسالتْني الكتابَ إليك فيمايخامرها ــ فدتك ــ من الهموم
وهُنَّ يقلن يا ابن الجُود إنَّابرِمنا من مراعاة النُّجوم
وعندك لو مننت شفاءُ سُقْملأعضاءٍ دَمِيْنَ من الكُلُوم
قال: فلمَّا قرأت الأبيات؛ قلت: عاشقٌ. فقلت للخادم: أدخله، فخرج، فلم يره، فارتبت في أمره، وجعل الفكر يتردَّد في قلبي، فدعوت جواريَّ كلَّهُنَّ، فجمعتهنَّ، ثمَّ قلت لهنَّ: ما قصة هذا الكتاب؟ فحلفن لي، وقلن: يا سيدنا ما نعرف لهذا الكتاب سببًا فمن جاءك به؟ قلت: قد فاتني وما أردت سؤالكنَّ إلَّا أنِّي ظننتُ له هوًى في بعضكنَّ، فمن عرفت منكنَّ أنَّها صاحبته؛ فهي له، فلتذهب إليه، ولتأخذ كتابي إليه، وكتبتُ كتابًا أشكره على فعله، وأسأله عن حاله، ووضعت الكتاب في موضع من الدار، فمكث الكتاب [١٧٣ ب] في موضعه حينًا لا يأخذه أحد، ولا أرى الرَّجل، فاغتممتُ غمًّا شديدًا، ثمَّ قلت: لعلَّه بعض فتياننا، ثمَّ قلت: إنَّ هذا الفتى قد أخبر عن نفسه بالورع، وقد قَنِعَ ممَّن يحبُّه بالنظر، فدبَّرت عليه، فحجبت جواريَّ عن الخروج، فما كان إلَّا يومٌ وبعض الآخر؛ إذ دخل عليَّ الخادم، ومعه كتابٌ، قال: أرسل به إليك فلانٌ، وذكر بعض أصدقائي، ففضضته، فإذا فيه:
ماذا أردتَ إلى روح معلَّقةٍعند التَّراقي وحادي الموت يحدوها
حثثتَ حاديَها ظُلمًا فجدَّ بهافي السَّير حتَّى تولَّت عن تراقيها
حجبتَ من كان تحيا عند رؤيتهارُوحي ومن كان يشفيني ترائيها