فاختلف أهل مجلسه في إعراب «رجل»، فمنهم من قال: هو نصبٌ، وجعله اسم إنَّ، ومنهم من رفعه على أنَّه خبرها، والجارية أصرَّت على النَّصب، وقالت: لقَّنني إيَّاه كذلك شيخي أبو عثمان المازنيُّ، فأمر الواثق بإحضاره إلى بين يديه، قال: فلمَّا مثلتُ بين يديه؛ قال: ممَّن الرَّجل؟ قلت: من [١٧٤ ب] بني مازن، قال: أيُّ الموازن؟ أمازن تميم، أم مازن قيس، أم مازن ربيعة؟ قلت: من مازن ربيعة، فكلَّمني بكلام قومي، فقال: بَا اسمُك؟ وقومي يقلبون الميم باءً والباء ميمًا، فكرهت أن أواجهه بلفظة مكر فقلت: بكر يا أمير المؤمنين! ففطن لما قصدتُه، وأعجب به، فقال: ما تقول في قول الشاعر:
أترفع رجلًا أم تنصبه؟ فقلت: الوجه النَّصبُ يا أمير المؤمنين! فقال: ولم ذاك؟ فقلت: لأنَّ مصابكم مصدرٌ بمعنى إصابتكم. فأخذ اليزيديُّ في معارضتي، فقلت: هو بمنزلة قولك: إنَّ ضربك زيدًا ظُلْمٌ،
(١) انظر ديوانه (ص ١٩٣). والصواب أنَّ البيت للحارث بن خالد المخزومي، انظر خزانة الأدب (١/ ٢١٧)، وشرح أبيات مغني اللبيب (٧/ ١٥٨)، والحماسة البصرية (٢/ ٢١٦).
فرَجُلًا مفعول مصابكم، ومنصوبٌ به، والدَّليل عليه أنَّ الكلام معلَّقٌ إلى أن تقول: ظُلم، فيتمَّ. فاستحسنه الواثق، وقال: هل لك من ولد؟ قلت: نعم يا أمير المؤمنين! بُنيَّة. قال: فما قالت لك عند مسيرك إلينا؟ قلت: أنشدَتْ قول الأعشى١ حيث يقول:
أيا أبتا لا تَرِمْ عندنافإنَّا بخير إذا لم ترِمْ
ترانا إذا أضمرتك البلادُ نُجفَى وتقطع منَّا الرَّحِمْ
قال: فما قلتَ لها؟ قلتُ: قولَ جرير٢:
ثقي بالله ليس له شريكٌومن عند الخليفة بالنَّجاح
فقال: عليَّ النجاح إن شاء الله! ثمَّ أمر لي بألف دينار، وردَّني إلى البصرة مُكرَّمًا. قال أبو العباس المبرِّد: فلمَّا عاد إلى البصرة، قال لي: كيف رأيت يا أبا العباس؟! رددنا لله مائة دينار، فعوَّضنا ألفًا.