روضة المحبين

والله! حتى أنظر كيف صبرك على النَّار. فدنا من المصباح، فوضع أصبعًا من أصابعه فيه، حتى احترقت، قال: ثمَّ رجع إلى مصلَّاه. قال: فدعته نفسه أيضًا، فعاد إلى المصباح، فوضع أصبعه أيضًا حتى احترقت ثمَّ رجع إلى مصلَّاه فدعته نفسه أيضًا، فعاد إلى المصباح حتى احترقت أصابعه، وهي تنظر إليه، فصعقت، فماتت، فلمَّا أصبحوا؛ غدوا؛ لينظروا ما صنعت، فإذا بها ميتة، [١٧٦ أ] فقالوا: يا عدو الله! يا مُرائي! وقعت عليها، ثم قتلتها! قال: فذهبوا به إلى ملكهم، فشهدوا عليه، فأمر بقتله، فقال: دعوني حتى أصلِّي ركعتين. قال: فصلَّى، ثمَّ دعاه، فقال: أي ربِّ! إنِّي أعلم أنك لم تكن لتؤاخذني بما لم أفعل، ولكن أسألك ألا أكون عارًا على القراء بعدي! قال: فردَّ الله عليها نفسَها، فقالت: انظروا إلى يده، ثمَّ عادت ميتةً.

وقال أحمد ــ رحمه الله تعالى ــ: حدثنا محمد بن جعفر، حدَّثنا شعبة عن منصور، عن إبراهيم، قال: بينما رجلٌ عابدٌ عند امرأةٍ؛ إذ عمد، فضرب بيده على فخذها، فأخذ يده، فوضعها في النار حتى نشَّت.

وقال حُصَين بن عبد الرحمن١: بلغني أنَّ فتًى من أهل المدينة كان يشهد الصلوات كلَّها مع عمر بن الخطاب ــ ﵁ ــ وكان عمر يتفقَّده إذا غاب، فعشقته امرأةٌ من أهل المدينة، فذكرت ذلك لبعض نسائها، فقالت: أنا أحتال لك في إدخاله عليك، فقعدت له في الطريق،

  1. (١) أخرج عنه ابن الجوزي (ص ٢٥٣ - ٢٥٤).
620

فلمَّا مرَّ بها قالت له: إنِّي امرأةٌ كبيرةُ السنِّ، ولي شاةٌ ولا أستطيع أن أحلبها، فلو دخلت، فحلبتها لي ــ وكانوا أرغب شيءٍ في الخير ــ فدخل، فلم يرَ شاةً، فقالت: اجلس حتى آتيك بها، فإذا المرأة قد طلعت، فلمَّا رأى ذلك، عمدَ إلى محراب في البيت، فقعد فيه، فأرادته عن نفسه، فأبى، وقال: اتقي الله أيتها المرأة! فجعلت لا تكفُّ عنه، ولا تلتفت إلى قوله. فلما أبى عليها؛ صاحت عليه، فجاؤوا، فقالت: إنَّ هذا دخل عليَّ يريدني عن نفسي، فوثبوا عليه، وجعلوا يضربونه، وأوثقوه، فلمَّا صلَّى عمر الغداة فقده، فبينا هو كذلك؛ إذ جاؤوا به في وثاق، فلمَّا رآه عمر قال: اللَّهم لا تُخلف ظنِّي به. قال: ما لكم؟ قالوا: استغاثت امرأةٌ بالليل، فجئنا، فوجدنا هذا الغلام عندها فضربناه، وأوثقناه! فقال له عمر ــ ﵁ ــ: اصدقني! فأخبره بالقصَّة على وجهها. فقال له عمر ــ ﵁ ــ: أتعرف العجوز؟ فقال: نعم، إن رأيتُها عرفتُها، فأرسل عمر إلى نساء جيرانها، وعجائزهنَّ، فجاء بهنَّ، فعرضهنَّ، فلم يعرفها فيهنَّ، حتى مرَّت [١٧٦ ب] به العجوز، فقال: هذه يا أمير المؤمنين! فرفع عمر عليها الدِّرَّةَ، وقال: اصدُقيني، فقصَّت عليه القصَّة، كما قصَّها الفتى، فقال عمر: الحمدُ لله الَّذي جعل فينا شبيه يوسف.

وقال أبو الزِّناد١: كان راهبٌ يتعبَّد في صومعة، فأشرف منها،

  1. (١) أخرج عنه الخرائطي في اعتلال القلوب (ص ٥٩ - ٦٠)، وابن الجوزي (ص ٢٤٩).
621

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي