لحكمهما، وينبغي أن يتمرَّن على دفع الهوى المأمون العواقب؛ ليستمرَّ بذلك على ترك ما تؤذي عواقبُه.
وليعلم اللَّبيبُ أن مدمني [١٧٩ ب] الشَّهوات يصيرون إلى حالةٍ لا يلتذُّون بها، وهم مع ذلك لا يستطيعون تركها؛ لأنَّها قد صارت عندهم بمنزلة العيش الَّذي لا بُدَّ لهم منه، ولهذا ترى مدمن الخمر والجماع لا يلتذُّ به عشر معشار التذاذ من يفعله نادرًا في الأحيان، غير أنَّ العادة مقتضيةٌ ذلك، فيلقي نفسه في المهالك؛ لينل ما تطالبه به العادة، ولو زال عنه رَيْنُ الهوى لعلم أنَّه قد سعى من حيث قدَّر السَّعادة، واغتمَّ من حيث ظنَّ الفرح، وألم من حيث أراد اللَّذَّة. فهو كالطائر المخدوع بحبَّة الفخ، لا هو يأكل الحبَّة، ولا هو يخلُص ممَّا وقع فيه.
فإن قيل: فكيف يتخلَّص من هذا مَن قد وقع فيه؟
قيل: يمكنه التَّخلُّص بعون الله وتوفيقه له بأمور١:
أحدها: بعزيمة حرٍّ يغار لنفسه وعليها.
الثاني: جُرْعةُ صبر تصبر نفسه على مرارتها تلك الساعة.
الثالث: قوَّة نفس تشجِّعه على شرب تلك الجُرعة، والشَّجاعة كلُّها صبر ساعةٍ، وخير عيشٍ أدركه العبد بصبره.
(١) انظر ذم الهوى (ص ١٣ وما بعدها).
الرَّابع: ملاحظته حسنَ موقع العاقبة، والشفاء بتلك الجُرعة.
الخامس: ملاحظته الألم الزَّائد على لذَّة طاعة هواه.
السَّادس: إبقاؤه على منزلته عند الله تعالى، وفي قلوب عباده، وهو خيرٌ وأنفع له من لذَّة مواقعة الهوى.
السَّابع: إيثارُه لذَّةَ العفَّة، وعزَّتها، وحلاوتها على لذَّة المعصية.
الثامن: فرحه بغلبة عدوِّه، وقهره له، وردِّه خاسئًا بغيظه، وغمِّه، وهمِّه حيث لم ينل منه أُمنيَّته، والله تعالى يحبُّ من عبده أن يُراغم عدوَّه، ويغيظه، كما قال الله تعالى في كتابه العزيز: ﴿وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ﴾[التوبة/ ١٢٠]، وقال: ﴿لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾[الفتح/ ٢٩]، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً﴾[النساء/ ١٠٠] أي: مكانًا يراغم فيه أعداء الله. وعلامة المحبَّة الصَّادقة مغايظةُ أعداء المحبوب، ومراغمتُهم.
التاسع: التفكر في أنَّه لم يخلق للهوى، وإنَّما هُيِّئ لأمرٍ عظيم، [١٨٠ أ] لا يناله إلَّا بمعصيته للهوى، كما قيل١:
قد هيَّؤوك لأمرٍ لو فطنتَ لهفاربأ بنفسك أن ترعى مع الهَمَل
(١) آخر بيت من لامية العجم للطغرائي (ضمن المجموع الكبير من المتون ص ٥٣٩).