روضة المحبين

الرَّابع: ملاحظته حسنَ موقع العاقبة، والشفاء بتلك الجُرعة.

الخامس: ملاحظته الألم الزَّائد على لذَّة طاعة هواه.

السَّادس: إبقاؤه على منزلته عند الله تعالى، وفي قلوب عباده، وهو خيرٌ وأنفع له من لذَّة مواقعة الهوى.

السَّابع: إيثارُه لذَّةَ العفَّة، وعزَّتها، وحلاوتها على لذَّة المعصية.

الثامن: فرحه بغلبة عدوِّه، وقهره له، وردِّه خاسئًا بغيظه، وغمِّه، وهمِّه حيث لم ينل منه أُمنيَّته، والله تعالى يحبُّ من عبده أن يُراغم عدوَّه، ويغيظه، كما قال الله تعالى في كتابه العزيز: ﴿وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ﴾ [التوبة/ ١٢٠]، وقال: ﴿لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ [الفتح/ ٢٩]، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً﴾ [النساء/ ١٠٠] أي: مكانًا يراغم فيه أعداء الله. وعلامة المحبَّة الصَّادقة مغايظةُ أعداء المحبوب، ومراغمتُهم.

التاسع: التفكر في أنَّه لم يخلق للهوى، وإنَّما هُيِّئ لأمرٍ عظيم، [١٨٠ أ] لا يناله إلَّا بمعصيته للهوى، كما قيل١:

قد هيَّؤوك لأمرٍ لو فطنتَ لهفاربأ بنفسك أن ترعى مع الهَمَل
  1. (١) آخر بيت من لامية العجم للطغرائي (ضمن المجموع الكبير من المتون ص ٥٣٩).
632

العاشر: ألَّا يختار لنفسه أن يكون الحيوان البهيمُ أحسن حالًا منه، فإنَّ الحيوان يميِّز بطبعه بين مواقع ما يضرُّه وما ينفعه، فيؤثر النافع على الضارِّ، والإنسان أُعطي العقل لهذا المعنى، فإذا لم يميِّز به بين ما يضرُّه وما ينفعه، أو عرف ذلك، وآثر ما يضرُّه؛ كان حال الحيوان البهيم أحسنَ منه، ويدُلُّ على ذلك: أنَّ البهيمة تصيب من لذة المطعم، والمشرب، والمنكح ما لا يناله الإنسان مع عيش هنيءٍ خالٍ عن الفكر، والهَمِّ، ولهذا تُساق إلى منحرها، وهي منهمكةٌ على شهواتها؛ لفقدان العلم بالعواقب، والآدمي لا يناله ما يناله الحيوان لقوَّة الفكر الشَّاغل، وضعف الآلة المستعملة، وغير ذلك، فلو كان نيل المشتهى فضيلةً؛ لما بُخِسَ منه حقُّ الآدمي الَّذي هو خلاصة العالم، ووفرَ منه حظُّ البهائم، وفي توفير حظِّ الآدميِّ من العقل، والعلم، والمعرفة عوضٌ عن ذلك.

الحادي عشر: أن يسير بفكره في عواقب الهوى، فيتأمَّل كم أفاتت طاعته من فضيلة، وكم أوقعت في رذيلة، وكم أكلةٍ منعت أكلات، وكم من لذَّة فوَّتت لذَّات، وكم من شهوةٍ كسرت جاهًا، ونكَّست رأسًا، وقبَّحت ذكرًا، وأورثت ذمًّا، وأعقبت ذلًّا، وألزمت عارًا لا يغسله الماء، غير أنَّ عين صاحب الهوى عمياء.

الثاني عشر: أن يتصوَّر العاقلُ انقضاء غرضه ممَّن يهواه، ثمَّ يتصوَّر حالَه بعد انقضاء الوطر، وما فاته، وما حصل له١.

  1. (١) البيت للببغاء في «ذم الهوى» (ص ٦٦٢).
633

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي