وفي الحديث الصحيح١: «لا يُصِيبُ المؤْمِنَ مِنْ هَمٍّ وَلا وَصَبٍ حَتَّى الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا إلا كَفَّرَ اللهُ بِهَا مِنْ خَطَايَاهُ».
ووصَب الشيءُ يَصِبُ وُصُوبًا: إذا دامَ، تقول: وَصَب الرجلُ على الأمر: إذا داومَ عليه. قال الله تعالى: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ﴾[الصافات/٩]. وقال تعالى: ﴿وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا﴾[النحل/٥٢] أي: الطاعة دائمةً.
فصل
وأمَّا الحُزْن: فقد عُدَّ٢ من أسماء المحبَّة، والصَّواب أنَّه ليس من أسمائها، وإنَّما هو حالة تحدُثُ للمحبِّ، وهي ورود المكروه عليه، وهو خلاف المسرَّة. ولما كان الحُبُّ لا يخلو من ورود ما لا يَسُرُّ على قلب المحبِّ كان الحزن من لوازمه. وفي الحديث الصحيح٣: أنَّ النبي - ﷺكان يقول: «اللهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الهَمِّ وَالحَزَن، وَالعَجْزِ والْكَسَل، وَالجُبْنِ وَالبُخْل، وضَلَعِ الدَّيْنِ، وَغَلَبَةِ الرِّجال».
فاستعاذَ - ﷺمن ثمانية أشياء، كل شيئين منها قرينان. فالهمُّ والحزن قرينان، فإن ورود المكروه على القلب إن كان لما مضى فهو الحزن، وإن كان لما يُستقبل فهو الهمُّ. والعجز والكسل قرينان، فإنَّ تخلُّفَ
(١) أخرجه البخاري (٥٦٤١)، ومسلم (٢٥٧٣) من حديث أبي سعيد وأبي هريرة.
(٢) «عدّ» ساقطة من ش.
(٣) أخرجه البخاري (٦٣٦٩)، ومسلم (٢٧٠٦) من حديث أنس بن مالك.
العبد عن كماله إن كان من عدم القدرة فهو العجز، وإن كان من عدم الإرادة فهو الكسل. والجبنُ والبخل قرينان، فإنَّ الرجل يُراد منه النفعُ بماله أو ببدنه، فالجبَان لا يَنفعُ ببدنه، والبخيلُ لا يَنفعُ بماله. وضَلَعُ الدَّين وَغَلَبة الرجال قرينان، فإنَّ قهرَ الناس نوعان: نوعٌ بحقٍّ، فهو ضَلَع الدَّين، ونوعٌ بباطلٍ، فهو غَلَبَةُ الرِّجال.
وقد نفى الله سبحانه [١٥ ب] عن أهل الجنَّة الخوفَ والحزنَ، فلا يحزنون على ما مضى، ولا يخافون ممَّا يأتي، ولا يطيبُ العيش إلا بذلك، والحبُّ يلزمه الخوف والحزن.
فصل
وأمَّا الكَمَدُ: فمن أحكام المحبَّة في الحقيقة، وليس من أسمائها، ولكن المتكلمون في هذا الباب لا يُفرّقون بين اسم الشيء ولازمه وحكمه. والكَمَد: الحزن المكتوم، تقول منه: كَمِدَ الرجل، فهو كَمِدٌ وكَمِيدٌ، والكُمْدَةُ: تَغَيُّرُ اللون، وأَكْمَدَ القصَّارُ الثوبَ: إذا لم يُنَقِّه.
فصل
وأمَّا اللَّذْع: فهو من أحكام المحبَّة أيضًا، وأصلُه من لَذْع النار. يقال: لَذَعَتْهُ النَّارُ لَذْعًا: أحرقته، ثم شبَّهوا لَذْع اللِّسان بِلَذْع النار، فقالوا: لَذَعَهُ بلسانه، أي: أحرقَه بكلامه، يُقال: أعوذ بالله من لَوَاذِعِهِ.