روضة المحبين

وأما قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام/٢٣] أي: لم يكن عاقبةُ شركهم إلا أن تبرَّأوا منه وأنكروه. وأما قوله تعالى: ﴿يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ ١٣ ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ﴾ [الذاريات/١٣ ــ ١٤]. فقيل: المعنى يُحرَقون، ومنه: فتَنْتُ الذَّهبَ: إذا أدخلتَهُ النَّارَ لتنظرَ ما جَوْدَته، [١٧ أ] ودينارٌ مفتون. قال الخليل١: والفَتْنُ: الإحراق، قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ﴾ [الذاريات/١٣]. وورِقٌ فَتِينٌ، أي: فضةٌ مُحْرَقَة. وَافْتَتَنَ الرجل وفُتِنَ: إذا أصابته فتنةٌ فذهبَ مالُه وعقلُه. وفَتَنَتْهُ المرأة: إذا دَلَّهَتْه.

وقوله تعالى: ﴿فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ ١٦١ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ ١٦٢ إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات/١٦١ ــ ١٦٣] أي: لا تَفتِنُون على عبادته إلا مَنْ سبقَ في علم الله أنه يَصْلَى الجحيم٢، فذلك الذي يفتتنُ بفتنتكم إياه.

وأما قوله تعالى: ﴿فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ ٥ بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ﴾ [القلم/٥ ــ ٦] فقيل: الباء زائدة. وقيل: المفتون مصدر، كالمعقول والميْسور٣ والمحلوف والمعسور. والصواب: أنَّ يُبْصِرُ مُضَمَّنٌ معنى يَشْعُرُ ويعلم، قال الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ

بِخَلْقِهِنَّ

  1. (١) انظر كتاب «العين» (٨/ ١٢٧).
  2. (٢) «أي ... الجحيم» ساقطة من ش.
  3. (٣) ش: «المنشور».
69

بِقَادِرٍ﴾ [الأحقاف/٣٣]، فعدَّى فعل الرؤية بالباء، وفي الحديث: «المُؤْمِنُ أخُو المُؤْمِنِ يَسَعُهُما المَاءُ والشَّجَرُ، ويَتَعاوَنَانِ على الْفتَّانِ»١. يُروى بفتح الفاء وهو واحدٌ، وبضَمها وهو جمع فاتنٍ، كتاجرٍ وتُجَّار.

والمقصود: أنَّ الحُبَّ موضعُ الفتون، فما فُتِن مَنْ فُتِنَ إلا بالمحبَّة.

فصل

وأمَّا الجنون: فمن الحُبِّ ما يكونُ جنونًا، ومنه قوله٢:

قالتْ جُنِنْتَ بمن تهوَى فقلتُ لهاالعشقُ أعظمُ ممَّا بالمجانين
العشقُ لا يَستفيقُ الدهرَ صَاحبُهوإنما يُصْرَعُ المجنونُ في الحين

وأصل المادة من السَّتر في جميع تصاريفها، ومنه: أجنَّه اللَّيلُ، وجَنَّ عليه: إذا سترَه، ومنه الجَنِينَ؛ لاستتاره في بطن أُمِّه، ومنه الجَنَّة؛ لاستتارها بالأشجار، ومنه المِجَنُّ؛ لاستتار الضارب به والمضروب، ومنه الجِنُّ؛ لاستتارهم عن العيون، بخلاف الإنس، فإنَّهم يُؤْنَسُون؛ أي: يُرَون، ومنه الجُنَّة بالضم، وهي ما استترتَ به واتّقيتَ، ومنه قوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً﴾ [المجادلة/١٦] وأجننتُ الميّتَ: [١٧ ب] واريتُه في

  1. (١) أخرجه أبو داود (٣٠٧٠)، والترمذي (٢٨١٤) من حديث قيلة بنت مخرمة. وفي إسناده عبد الله بن حسان العنبري، قال الحافظ في «التقريب»: مقبول.
  2. (٢) البيتان لمجنون ليلى في «ديوانه» (ص ٢٨١)، و«الأغاني» (٢/ ٣٦)، و«مصارع العشاق» (١/ ١٢٦، ٢/ ١٨١)، و«المستطرف» (٣/ ٣٢)، و«تزيين الأسواق» (١/ ١٦٤).
70

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي