الرسالة إلى أحد إخوانه

وصى١ بعض الشيوخ٢ فقال: احذروا مخالطة من تُضيع مخالطته الوقت، وتُفسد القلب، فإنه متى ضاع الوقت وفسد القلب انفرطت على العبد أموره كلها، وكان ممن قال الله فيه: ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا ٢٨﴾ [الكهف: ٢٨].

ومن تأمل حال هذا الخلق، وجدهم كلهم -إلا أقل القليل- ممن غفلت قلوبهم عن ذكر الله -تعالى -، واتَّبعوا أهواءهم، وصارت أمورهم ومصالحهم ﴿فُرُطًا﴾ أي: فرَّطوا فيما ينفعهم ويعود بصلاحهم، واشتغلوا بما لا ينفعهم، بل يعود بضررهم٣ عاجلًا وآجلًا٤.

[وهؤلاء]٥ قد أمر الله -سبحانه- رسولَه ألا يطيعهم، فطاعة الرسول لا تتم إلا بعدم طاعة هؤلاء٦، [فإنهم]٧ إنما يدعون إلى ما يشاكلهم من اتباع الهوى، والغفلة عن ذكر الله٨.

والغفلة عن الله والدَّار الآخرة متى تزوجت باتباع الهوى، [تولد

  1. (١) في ب، وج (أوصى).
  2. (٢) في ج (بعضهم).
  3. (٣) في ج (بما يضرهم).
  4. (٤) تكلم ابن القيم في ذم الخلطة، وبيَّن الضابط النافع فيها، في مدارج السالكين (١/ ٤٥٤ - ٤٥٦).
  5. (٥) في الأصل (ومن هؤلاء)، والمثبت من ب، وج.
  6. (٦) في ج (طاعتهم).
  7. (٧) في الأصل (بأنهم)، والمثبت من ب، وج.
  8. (٨) في ج: (عن الله والدار الآخرة).
4

ما]١ بينهما كل شر٢. وكثيرًا ما يقترن أحدهما بالآخر ولا يفارقه٣.

ومن تأمل فساد أحوال٤ العالم عمومًا وخصوصًا، وجده ناشئًا عن هذين الأصلين، فالغفلة تحول بين العبد وبين تصور٥ الحق ومعرفته والعلم به٦ فيكون من [الضالين]٧. واتباع الهوى يصده عن قصد٨ الحق وإرادته واتباعه٩، فيكون من المغضوب عليهم.

وأما المنعم عليهم فهم الذين مَنَّ الله عليهم بمعرفة الحق علمًا، وبالانقياد إليه وإيثاره على ما سواه عملًا، وهؤلاء هم الذين على سبيل النجاة، ومن سواهم على سبيل الهلاك. ولهذا أمرنا الله -سبحانه- أن نقول كل يوم وليلة عدة مرات: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ٦ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ ٧﴾ [الفاتحة: ٦، ٧].

فإن العبد مضطر كل الاضطرار إلى أن يكون عارفًا بما ينفعه في

  1. (١) في الأصل (تولدتا)، والمثبت من ب.
  2. (٢) في ج: (تولد منهما شر كثير).
  3. (٣) (ولا يفارقه) ساقطة من ج.
  4. (٤) (أحوال) ساقطة من ج.
  5. (٥) (تصور) ساقطة من ب.
  6. (٦) في ج (وبين معرفة الحق وتصوره) بدل (وبين تصور الحق ومعرفته والعلم به).
  7. (٧) في الأصل (الصالحين) وهو خطأ، والمثبت من ب، وج.
  8. (٨) في ج (اتباع) بدل (قصد).
  9. (٩) (وإرادته واتباعه) سقطتا من ج.
5

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي