وتصرفه فيها وحكمه عليها، فرأى الأشياء كلها منه١، صادرة عن نفاذ حكمه وتقديره وإرادته القدرية، فغاب بما لاحظ من الجمع عن التمييز والفرق، ويُسمى هذا جمعًا؛ لأن العبد اجتمع نظره إلى مولاه في كل حكم وقع في الكون، وفي ملاحظة هذا الحكم الذي صدرت عنه المتفرقات٢ اجتمع قلبه، ولضعف قلبه حين حضر٣ هذا الاجتماع٤ لم يتسع٥ للتمييز الشرعي بين٦ الحسن والقبيح، بمعنى أنه انطوى حكم معرفته بالحسن والقبيح في طي هذه المعرفة الساترة له عن التمييز، لا بمعنى أنه ارتفع عن قلبه حكم التحسين والتقبيح، بل اندرج في مشهده وانطوى بحيث لو فُتش لوُجِد حكم التحسين والتقبيح مستورًا في طيّ مشهده ذلك، وبالله التوفيق".
وتلخيص ما ذكره شيخنا ﵀ أن للفعل وجهين: وجه هو قائم بالربّ تعالى، وهو قضاؤه، وقدره له، وعلمه به، ومشيئته النافذة فيه الموجدة له، ووجه هو قائم بالعبد، وهو كسبه له، وفعله واختياره.
(٥) "م":"يقع"، وفي حاشيتها: "ظ: يتسع"، وهو المثبت من "د".
(٦) "د" "م": "من"، تحريف ظاهر.
والعبد له ملاحظتان: ملاحظة للوجه الأول، وملاحظة للوجه الثاني، والكمال أن لا يغيب بإحدى الملاحظتين عن الأخرى، بل يشهد قضاء الربّ تعالى وقدره ومشيئته، ويشهد مع ذلك فعله وجنايته وطاعته ومعصيته. فيشهد الربوبية والعبودية، فيجتمع في قلبه معنى قوله: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ﴾[التكوير: ٢٨]، مع قوله: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾[التكوير: ٢٩]، وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا ٢٩ وَمَا يَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾[الإنسان: ٢٩ - ٣٠]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ١ تَذْكِرَةٌ ٥٤ فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ ٥٥ وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾[المدثر: ٥٤ - ٥٦].
فمن الناس من يتسع قلبه لهذين الشهودين، ومنهم من يضيق قلبه عن اجتماعهما بقوة الوارد عليه، وضعف المحل، فيغيب بشهود العبودية والكسب وجهة الطاعة والمعصية عن شهود الحكم القائم بالربّ تعالى من غير إنكار له، فلا يظهر عليه إلا أثر الفعل وحكمه الشرعي، وهذا لا يضره إذا كان الإيمان بالحكم قائمًا في قلبه.
ومنهم من يغيب بشهود الحكم وسبقه وأولية الربّ تعالى وسبقه للأشياء عن جهة عبوديته وكسبه وطاعته ومعصيته، فيغيب بشهود الحكم عن شهود المحكوم به، فضلًا عن صفته، فإذا لم يشهد له فعلًا، فكيف يشهد كونه حسنًا أو قبيحًا؟
وهذا أيضًا لا يضره إذا كان علمه بحسن الفعل وقبحه قائمًا في قلبه، وإنما توارى عنه لاستيلاء شهود الحكم على قلبه، وبالله التوفيق.