شفاء العليل

وجل ليس عنده ليل ولا نهار، نور السماوات والأرض من نور وجهه، وإن مقدار كل يوم من أيامكم عنده ثنتي عشرة ساعة١، فتعرض عليه أعمالكم بالأمس أول النهار اليوم، فينظر فيها ثلاث ساعات، فيطلع فيها على ما يكره، فيغضبه ذلك، وأول من يعلم غضبه حملة العرش، يجدونه يثقل عليهم، فيسبحه حملة العرش، وسُرَادِقات العرش٢، والملائكة المقربون، وسائر الملائكة، ثم ينفخ جبريل في القرن فلا يبقى شيء إلا سمع صوته، فيسبحون الرحمن ﷿ ثلاث ساعات حتى يمتلئ الرحمن ﷿ رحمة، فتلك ستّ ساعات، ثم يؤتى بالأرحام، فينظر فيها ثلاث ساعات، فذلك قوله في كتابه: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [آل عمران: ٦]، وقوله: ﴿يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ ٤٩ أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾ [الشورى: ٤٩ - ٥٠]، فتلك تسع ساعات، ثم يؤتى بالأرزاق فينظر فيها ثلاث ساعات، فذلك قوله في كتابه: ﴿يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾ [الشورى: ١٢]، و﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي﴾ [الرحمن: ٢٩]، قال: هذا من شأنكم وشأن ربكم ﵎".

قال الطبراني: حدثنا بشر بن موسى، ثنا يحيى بن إسحاق، حدثنا حماد ابن سلمة عن أبي عبد السلام، عن عبد الله ــ أو عبيد الله ــ بن مِكْرَز، عن ابن

  1. (١) "م": "سنة" تحريف، والمثبت من "د" موافق لما في مصادر التخريج.
  2. (٢) واحدها سُرَادِق: وهو كل ما أحاط بشيء من حائط ونحوه، انظر: "النهاية في الغريب" (سردق) (٢/ ٣٥٩).
79

مسعود فذكره.

وقال عثمان بن سعيد الدارمي: حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا حماد ابن سلمة، عن الزبير أبي عبد السلام، عن أيوب بن عبد الله الفهري، أن ابن مسعود قال: "إن ربكم ليس عنده ليل ولا نهار"، فذكر الحديث إلى قوله: "فيسبحه حملة العرش، وسُرَادِقات العرش، والملائكة المقربون، وسائر الملائكة".

فهذا تقدير يومي، والذي قبله تقدير حولي، والذي قبله تقدير عمري عند تعلّق١ النفس به، والذي قبله كذلك، لكن٢ عند أول تخليقه وكونه مضغة، والذي قبله تقدير سابق على وجوده، لكن بعد خلق السماوات والأرض، والذي قبله تقدير سابق على خلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، وكل واحد من هذه التقادير كالتفصيل من التقدير السابق.

وفي ذلك دليل على كمال علم الربِّ وقدرته وحكمته، وزيادة تعريف لملائكته وعباده المؤمنين بنفسه وأسمائه وصفاته.

وقد قال تعالى: ﴿إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجاثية: ٢٩]. وأكثر المفسرين على أن هذا الاستنساخ من اللوح المحفوظ، فتستنسخ الملائكة ما يكون من أعمال بني آدم قبل أن يعملوها، فيجدون ذلك موافقًا لما يعملونه، فيثبت الله منه ما فيه ثواب أو عقاب، ويطرح منه اللغو.

  1. (١) "د": "تعليق".
  2. (٢) "لكن" من "د".
80

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي