وقال عثمان بن سعيد الدارمي: حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا حماد ابن سلمة، عن الزبير أبي عبد السلام، عن أيوب بن عبد الله الفهري، أن ابن مسعود قال: "إن ربكم ليس عنده ليل ولا نهار"، فذكر الحديث إلى قوله: "فيسبحه حملة العرش، وسُرَادِقات العرش، والملائكة المقربون، وسائر الملائكة".
فهذا تقدير يومي، والذي قبله تقدير حولي، والذي قبله تقدير عمري عند تعلّق١ النفس به، والذي قبله كذلك، لكن٢ عند أول تخليقه وكونه مضغة، والذي قبله تقدير سابق على وجوده، لكن بعد خلق السماوات والأرض، والذي قبله تقدير سابق على خلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، وكل واحد من هذه التقادير كالتفصيل من التقدير السابق.
وفي ذلك دليل على كمال علم الربِّ وقدرته وحكمته، وزيادة تعريف لملائكته وعباده المؤمنين بنفسه وأسمائه وصفاته.
وقد قال تعالى: ﴿إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾[الجاثية: ٢٩]. وأكثر المفسرين على أن هذا الاستنساخ من اللوح المحفوظ، فتستنسخ الملائكة ما يكون من أعمال بني آدم قبل أن يعملوها، فيجدون ذلك موافقًا لما يعملونه، فيثبت الله منه ما فيه ثواب أو عقاب، ويطرح منه اللغو.
(١) "د": "تعليق".
(٢) "لكن" من "د".
وذكر ابن مردويه في "تفسيره"١ من طرق إلى بقية، عن أرطاة بن المنذر، عن مجاهد، عن ابن عمر يرفعه: "إن أول ما خلق الله القلم، فأخذه بيمينه - وكلتا يديه يمين ـ، فكتب الدنيا وما يكون فيها من عمل معمول، من برٍّ أو فجور، رطب أو يابس، فأحصاه عند الذِّكر٢، وقال: اقرؤوا إن شئتم: ﴿هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾[الجاثية: ٢٩]، فهل تكون النسخة إلا من شيء قد فُرِغ منه".
وقال آدم: حدثنا ورقاء، عن عطاء بن السائب، عن مِقْسَم، عن ابن عباس: ﴿إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾[الجاثية: ٢٩] قال: "تستنسخ الحفظة من أم الكتاب ما يعمل بنو آدم، فإنما يعمل الإنسان على ما استنسخ الملك من أم الكتاب"٣.
وفي "تفسير الأشجعي": عن سفيان، عن منصور، عن مِقْسَم، عن ابن عباس قال: "كَتَب في الذكر عنده كل شيء هو كائن، ثم بَعَث الحفظة على
(١) عزاه إليه في "الدر المنثور" (١٣/ ٣٠٥)، وأخرجه ابن أبي عاصم في "السنة" (١٠٦)، والطبراني في "مسند الشاميين" (٦٧٣)، والآجري في "الشريعة" (٣٣٩) من طرق عن بقية به، وإسناده جيد، بقية صرح بالتحديث عند ابن أبي عاصم وغيره، وقد تابعه غير واحد.
(٢) كذا في "د" "م": "فأحصاه عند الذكر"، والصواب: "فأحصاه عنده في الذكر" كما في مصدر الرواية ومصادر التخريج الأخرى، وبه يستقيم المعنى.
(٣) هو في التفسير المنسوب إلى مجاهد (٦٠٠) من طريق آدم به، ومن هذا الوجه أخرجه البيهقي في "القضاء والقدر" (٤٠)، وعزاه في "الدر المنثور" (١٣/ ٣٠٦) إلى ابن مردويه.