شفاء العليل

يعلم ما فيه من المصلحة والمنفعة لهم التي اقتضت أنه يختاره، ويأمرهم به، وهم قد يكرهونه؛ إما لعدم العلم، وإما لنفور الطبع، فهذا علمه بما في عواقب أمره مما لا يعلمونه، وذاك علمه بما في اختياره من خلقه مما لا يعلمونه، فهذه الآية تضمنت الحض على التزام أمر الله وإن شق على النفوس، وعلى الرضا بقضائه وإن كرهته النفوس.

وفي حديث الاستخارة: "اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك، فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلمُ ولا أعلم، وأنت علَّام الغيوب، اللهم إن كنت تعلم هذا الأمر خيرًا لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري؛ فاقدره لي، ويَسِّره لي، ثم بارك لي فيه، وإن كنت تعلمه شرًا لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري؛ فاصرفه عني، واصرفني عنه، واقدر لي الخير حيث كان، ثم رضِّني به"١.

ولما كان العبد محتاجًا في فعل ما ينفعه في معاشه ومعاده إلى عِلْمٍ بما فيه من المصلحة، وقدرةٍ عليه، وتيسيرٍ له، وليس له من نفسه شيء من ذلك، بل عِلْمه ممن علَّم الإنسان ما لم يعلم، وقدرته منه؛ فإن لم يقدره عليه وإلا فهو عاجز، وتيسيره منه؛ فإن لم ييسره عليه وإلا فهو متعسر عليه بعد إقداره= أرشده النبي ﷺ إلى محض العبودية، وهو طلب الخيرة من العالم بعواقب الأمور وتفاصيلها وخيرها وشرها، وطلب القدرة منه؛ فإنه إن لم يقدره وإلا فهو عاجز، وطلب فضله منه؛ فإنه إن لم ييسره له، ويهيئه له، وإلا فهو متعذر عليه، ثم إذا اختاره له بعلمه، وأعانه عليه بقدرته، ويسَّره له من فضله؛ فهو

  1. (١) أخرجه البخاري (٦٣٨٢، ٧٣٩٠) وغيره بألفاظ متقاربة من حديث جابر.
115

يحتاج إلى أن يبقيه عليه، ويديمه بالبركة١ التي يضعها فيه، والبركة تتضمن ثبوته ونموه، وهذا قَدْرٌ زائدٌ على إقداره عليه وتيسيره له، ثم إذا فعل به ذلك كله فهو محتاج إلى أن يرضِّيه به، فإنه قد يجيء له ما يكرهه، فيظل ساخطًا له وقد خار الله له فيه.

قال عبد الله بن عمر: "إن الرجل ليستخير الله فيختار له، فيسخط على ربه، فلا يلبث أن ينظر في العاقبة، فإذا هو قد خِير له"٢.

وفي "المسند"٣ من حديث سعد بن أبي وقاص، عن النبي ﷺ: "من سعادة ابن آدم استخارته الله ﷿، ومن سعادة ابن آدم رضاه بما قضاه الله، ومن شِقْوة ابن آدم تركه استخارة الله ﷿، ومن شِقْوة ابن آدم سخطه بما قضى الله".

فالمقدور يكتنفه أمران: الاستخارة قبله، والرضا بعده، فمن توفيق الله لعبده وإسعاده إياه أن يختار قبل وقوعه، ويرضى بعد وقوعه، ومن خذلانه له أن لا يستخيره قبل وقوعه، ولا يرضى به بعد وقوعه.

وقال عمر بن الخطاب ﵁: "لا أبالي أصبحت على ما أحب أو على ما أكره؛ لأني لا أدري: الخير فيما أحب أو فيما أكره"٤.

  1. (١) "د": "بالذكر" وكذلك في الموضع الآتي، تحريف.
  2. (٢) أخرجه ابن أبي الدنيا في "الرضا عن الله بقضائه" (٥٦).
  3. (٣) برقم (١٤٤٤)، وأخرجه الترمذي (٢١٥١)، وقال: "هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث محمد بن أبي حميد ... وليس هو بالقوي عند أهل الحديث".
  4. (٤) أخرجه ابن المبارك في "الزهد" (٤٢٥)، وأبو داود في "الزهد" (١٠٣).
116

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي