يحتاج إلى أن يبقيه عليه، ويديمه بالبركة١ التي يضعها فيه، والبركة تتضمن ثبوته ونموه، وهذا قَدْرٌ زائدٌ على إقداره عليه وتيسيره له، ثم إذا فعل به ذلك كله فهو محتاج إلى أن يرضِّيه به، فإنه قد يجيء له ما يكرهه، فيظل ساخطًا له وقد خار الله له فيه.
قال عبد الله بن عمر: "إن الرجل ليستخير الله فيختار له، فيسخط على ربه، فلا يلبث أن ينظر في العاقبة، فإذا هو قد خِير له"٢.
وفي "المسند"٣ من حديث سعد بن أبي وقاص، عن النبي ﷺ: "من سعادة ابن آدم استخارته الله ﷿، ومن سعادة ابن آدم رضاه بما قضاه الله، ومن شِقْوة ابن آدم تركه استخارة الله ﷿، ومن شِقْوة ابن آدم سخطه بما قضى الله".
فالمقدور يكتنفه أمران: الاستخارة قبله، والرضا بعده، فمن توفيق الله لعبده وإسعاده إياه أن يختار قبل وقوعه، ويرضى بعد وقوعه، ومن خذلانه له أن لا يستخيره قبل وقوعه، ولا يرضى به بعد وقوعه.
وقال عمر بن الخطاب ﵁: "لا أبالي أصبحت على ما أحب أو على ما أكره؛ لأني لا أدري: الخير فيما أحب أو فيما أكره"٤.
(١) "د": "بالذكر" وكذلك في الموضع الآتي، تحريف.
(٢) أخرجه ابن أبي الدنيا في "الرضا عن الله بقضائه" (٥٦).
(٣) برقم (١٤٤٤)، وأخرجه الترمذي (٢١٥١)، وقال: "هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث محمد بن أبي حميد ... وليس هو بالقوي عند أهل الحديث".
(٤) أخرجه ابن المبارك في "الزهد" (٤٢٥)، وأبو داود في "الزهد" (١٠٣).
وقال الحسن: "لا تكرهوا النقمات الواقعة، والبلايا الحادثة، فلرُبَّ أمر تكرهه فيه نجاتك، ولرُبَّ أمر تؤثره فيه عطبك"١.
فصل
ومما يناسب هذا قوله تعالى: ﴿لَّقَد صَّدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا﴾[الفتح: ٢٧]، بيَّن ﷾ حكمة ما كرهوه عام الحديبية من صَدِّ المشركين لهم عن البيت، حتى رجعوا ولم يعتمروا، وبيَّن لهم أن مطلوبهم يحصل بعد هذا، فحصل في العام القابل.
وقال سبحانه: ﴿فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ وهو صلح الحديبية، وهو أول الفتح المذكور في قوله: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾[الفتح: ١]، فإنه٢ بسببه حصل من مصالح الدين والدنيا، والنصر، وظهور الإسلام، وبطلان الكفر، ما لم يكونوا يرجونه قبل ذلك، ودخل الناس بعضهم في بعض، وتكلم المسلمون بكلمة الإسلام وبراهينه وأدلته جهرة لا يخافون، ودخل في ذلك الوقت في الإسلام قريب ممن دخل فيه من أوله إلى ذلك الوقت. وظهر لكل أحد بَغْيُ المشركين وعدوانهم وعنادهم، وعَلِمَ الخاص والعام أن محمدًا ﷺ وأصحابه أولى بالحق والهدى، وأن أعداءهم ليس بأيديهم إلا العدوان والعناد، فإن البيت الحرام لم يُصَدَّ عنه حاجٌّ ولا