شفاء العليل

وقال الحسن: "لا تكرهوا النقمات الواقعة، والبلايا الحادثة، فلرُبَّ أمر تكرهه فيه نجاتك، ولرُبَّ أمر تؤثره فيه عطبك"١.

فصل

ومما يناسب هذا قوله تعالى: ﴿لَّقَد صَّدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ [الفتح: ٢٧]، بيَّن ﷾ حكمة ما كرهوه عام الحديبية من صَدِّ المشركين لهم عن البيت، حتى رجعوا ولم يعتمروا، وبيَّن لهم أن مطلوبهم يحصل بعد هذا، فحصل في العام القابل.

وقال سبحانه: ﴿فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ وهو صلح الحديبية، وهو أول الفتح المذكور في قوله: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ [الفتح: ١]، فإنه٢ بسببه حصل من مصالح الدين والدنيا، والنصر، وظهور الإسلام، وبطلان الكفر، ما لم يكونوا يرجونه قبل ذلك، ودخل الناس بعضهم في بعض، وتكلم المسلمون بكلمة الإسلام وبراهينه وأدلته جهرة لا يخافون، ودخل في ذلك الوقت في الإسلام قريب ممن دخل فيه من أوله إلى ذلك الوقت. وظهر لكل أحد بَغْيُ المشركين وعدوانهم وعنادهم، وعَلِمَ الخاص والعام أن محمدًا ﷺ وأصحابه أولى بالحق والهدى، وأن أعداءهم ليس بأيديهم إلا العدوان والعناد، فإن البيت الحرام لم يُصَدَّ عنه حاجٌّ ولا

  1. (١) أورده الثعلبي في "الكشف والبيان" (٣/ ١٣٨).
  2. (٢) "د" "م": "فإن".
117

معتمر من زمن إبراهيم ﵇، فتحققت العرب عناد قريش وعدوانهم، وكان ذلك داعية لبشر كثير إلى الإسلام، وزاد عناد القوم وطغيانهم، وذلك من أكبر العون على نفوسهم، وزاد صبر المؤمنين واحتمالهم والتزامهم بحكم الله وطاعة رسوله، وذلك من أعظم أسباب نصرهم، إلى غير ذلك من الأمور التي علمها الله سبحانه ولم يعلمها الصحابة، ولهذا سَمَّاه فتحًا، وسُئل النبي ﷺ: أفتح هو؟ قال: "نعم"١.

فصل

ويشبه هذا قول يوسف الصديق: ﴿يَاأَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَد جَّعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِيَ إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [يوسف: ١٠٠]، فأخبر أنه يلطف لما يريده، فيأتي به بطرق خفية لا يعلمها الناس.

واسمه "اللطيف" يتضمن علمه بالأشياء الدقيقة وإيصاله الرحمة بالطرق الخفية، ومنه التلطف، كما قال أهل الكهف: ﴿وَلْيَتَلَطَّفْ وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١٩]، فكان ظاهر ما امتحن به يوسف من مفارقة أبيه، وإلقائه في السجن٢، وبيعه رقيقًا، ثم مراودة التي هو في بيتها له عن نفسه، وكذبها عليه، وسجنه = محنًا ومصائب، وباطنها نعمًا ومنحًا، جعلها الله سببًا لسعادته في الدنيا والآخرة.

  1. (١) أخرجه بتمامه البخاري (٣١٨٢)، ومسلم (١٧٨٥) من حديث سهل بن حنيف.
  2. (٢) "م": "وإلقائه الجب في السجن" سبق قلم، والمثبت من "د".
118

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي