شفاء العليل

قلت: أفاد فائدة جليلة، وهو أنه سبحانه يكتب ما عملوه، وما تولد من أعمالهم، فيكون المتولد عنها كأنهم عملوه في الخير والشر، وهو أثر أعمالهم١، فآثارهم هي آثار أعمالهم المتولدة عنها، وهذا القول أعم من قول مقاتل، وكأن مقاتلًا أراد التمثيل والبيان على عادة السلف في تفسير اللفظة العامة بنوع أو فرد من أفراد مدلولها تقريبًا وتمثيلًا، لا حصرًا وإحاطة.

وقال أنس وابن عباس في رواية عكرمة: نزلت هذه الآية في بني سَلِمة، أرادوا أن ينتقلوا إلى قرب المسجد، وكانت منازلهم بعيدة، فلما نزلت قالوا: بل نمكث مكاننا٢.

واحتج أرباب هذا القول بما في "صحيح البخاري"٣ من حديث أبي سعيد الخدري قال: كانت بنو سَلِمة في ناحية المدينة، فأرادوا النقلة إلى قرب المسجد، فنزلت هذه الآية: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾ فقال رسول الله ﷺ: "يا بني سَلِمة، ديارَكم تُكتب آثارُكم".

  1. (١) من قوله: "فيكون المتولد" إلى هنا ساقط من "د" انتقال نظر.
  2. (٢) رواية عكرمة عن ابن عباس أخرجها ابن ماجه (٧٨٥)، وابن جرير (١٩/ ٤١٠) بإسناد جيد، ولم أقف على قول أنس مسندًا، والفقرة بحروفها في "البسيط" (١٨/ ٤٦٠).
    وأخرجه عن أنس دون التصريح بسبب النزول البخاري (٦٥٦).
  3. (٣) كذا عزاه إلى "الصحيح" من حديث أبي سعيد سهوًا، وهو فيه من حديث أنس ــ وسيأتي ــ، وحديث أبي سعيد أخرجه عبد الرزاق في "المصنف" (١٩٨٢)، والترمذي (٣٢٢٦) وقال: " هذا حديث حسن غريب من حديث الثوري"، وفي إسناده طريف السعدي ضعيف، وقد أخطأ فيه، انظر: "فتح الباري" لابن رجب (٦/ ٢٩).
136

وقد روى مسلم نحوه من حديث جابر وأنس١.

وفي هذا القول نظر؛ فإن سورة "يس" مكية، وقصة بني سَلِمة بالمدينة، إلا أن يقال: هذه الآية وحدها مدنية.

وأحسن من هذا أن تكون ذُكِرت عند هذه القصة ودلَّت عليها، وذُكِّروا بها عندها، إما من النبي ﷺ أو من جبريل ﵇، فأطلق على ذلك: النزول، ولعل هذا مراد من قال في نظائر ذلك: نزلت مرتين.

والمقصود: أن خُطاهم إلى المساجد من آثارهم التي يكتبها الله لهم.

قال عمر بن عبد العزيز: "لو كان الله سبحانه تاركًا لابن آدم شيئًا لترك له ما عفت عليه الرياح من أثره"٢.

وقال مسروق: "ما خطا رجل خطوة إلا كُتِبت حسنة أو سيئة".

والمقصود أن قوله تعالى: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ وهو اللوح المحفوظ، وهو أم الكتاب، وهو الذكر الذي كتب فيه كل شيء، يتضمن كتابة أعمال العباد قبل أن يعملوها، والإحصاء في الكتاب يتضمن علمه بها، وحفظه لها، والإحاطة بقدرها٣، وإثباتها فيه.

وقال تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا

  1. (١) أخرجه مسلم (٦٦٥) من حديث جابر، وحديث أنس انفرد به البخاري (٦٥٦) وليس فيه التصريح بسبب النزول.
  2. (٢) أخرجه وتاليه عبد الرزاق في "التفسير" (٣/ ١٤٠).
  3. (٣) "م": "بعددها".
137

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي