شفاء العليل

وقد روى مسلم نحوه من حديث جابر وأنس١.

وفي هذا القول نظر؛ فإن سورة "يس" مكية، وقصة بني سَلِمة بالمدينة، إلا أن يقال: هذه الآية وحدها مدنية.

وأحسن من هذا أن تكون ذُكِرت عند هذه القصة ودلَّت عليها، وذُكِّروا بها عندها، إما من النبي ﷺ أو من جبريل ﵇، فأطلق على ذلك: النزول، ولعل هذا مراد من قال في نظائر ذلك: نزلت مرتين.

والمقصود: أن خُطاهم إلى المساجد من آثارهم التي يكتبها الله لهم.

قال عمر بن عبد العزيز: "لو كان الله سبحانه تاركًا لابن آدم شيئًا لترك له ما عفت عليه الرياح من أثره"٢.

وقال مسروق: "ما خطا رجل خطوة إلا كُتِبت حسنة أو سيئة".

والمقصود أن قوله تعالى: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ وهو اللوح المحفوظ، وهو أم الكتاب، وهو الذكر الذي كتب فيه كل شيء، يتضمن كتابة أعمال العباد قبل أن يعملوها، والإحصاء في الكتاب يتضمن علمه بها، وحفظه لها، والإحاطة بقدرها٣، وإثباتها فيه.

وقال تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا

  1. (١) أخرجه مسلم (٦٦٥) من حديث جابر، وحديث أنس انفرد به البخاري (٦٥٦) وليس فيه التصريح بسبب النزول.
  2. (٢) أخرجه وتاليه عبد الرزاق في "التفسير" (٣/ ١٤٠).
  3. (٣) "م": "بعددها".
137

فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ [الأنعام: ٣٨]، وقد اختُلِف في الكتاب ههنا: هل هو القرآن أو اللوح المحفوظ؟ على قولين:

فقالت طائفة: المراد به القرآن، قالوا: وهذا من العام المراد به الخاص، أي: ما فرطنا فيه من شيء يحتاجون إلى ذكره وبيانه، كقوله: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٨٩].

ويجوز أن يكون من العام المراد عمومه، والمراد أن كل شيء ذُكِر فيه مجملًا ومفصّلًا، كما قال ابن مسعود ــ وقد لعن الواصلة والمستوصلة ــ: ما لي لا ألعن من لعنه الله في كتابه؟! فقالت امرأة: لقد قرأت القرآن فما وجدته. فقال: إن كنت قرأتيه فقد وجدتيه، قال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧] ولعن رسول الله ﷺ الواصلة والمستوصلة١.

وقال الشافعي: "ما تنزل بأحد من المسلمين نازلة إلا وفي كتاب الله سبيل الدلالة عليها"٢.

وقال طائفة: المراد بالكتاب في الآية اللوح المحفوظ الذي كتب الله فيه كل شيء. وهذا إحدى الروايتين عن ابن عباس٣.

  1. (١) أخرجه أحمد (٣٩٤٥)، والبخاري (٤٨٨٦)، ومسلم (٢١٢٥).
    وهذه الفقرة وسابقتها مقتبسة من "البسيط" (٨/ ١١٨) وسياقه أوضح.
  2. (٢) "الرسالة" (٢٠) بتصرف.
  3. (٣) أخرجه الطبري (١١/ ٣٤٥)، وابن أبي حاتم في "التفسير" (٧٢٥٩).
138

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي