شفاء العليل

استدلال بأمره وذاك بخلقه، ﴿لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ ٥٤﴾ [الأعراف: ٥٤].

ويشهد لهذا أيضًا قوله: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ ٥٠ أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [العنكبوت: ٥٠ - ٥١].

ولمن نصر أن المراد بالكتاب اللوح المحفوظ أن يقول: لما سألوا الآية أخبرهم سبحانه بأنه لم يترك إنزالها لعدم قدرته على ذلك، فإنه قادر على ذلك، وإنما لم ينزلها لحكمته ورحمته بهم، وإحسانه إليهم؛ إذ لو أنزلها على وفق اقتراحهم لعُوجلوا بالعقوبة إن لم يؤمنوا.

ثم ذكر ما يدل على كمال قدرته بخلق الأمم العظيمة التي لا يحصي عددها إلا هو، فمن قدر على خلق هذه الأمم مع اختلاف أجناسها وأنواعها وصفاتها وهيئاتها؛ كيف يعجز عن إنزال آية؟

ثم أخبر عن كمال قدرته وعلمه بأن هؤلاء الأمم قد أحصاهم، وكَتَبَهم، وقدَّر أرزاقهم وآجالهم وأحوالهم في كتاب لم يفرط فيه من شيء، ثم يميتهم، ثم يحشرهم إليه.

﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا١ صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ﴾ [الأنعام: ٣٩]، عن النظر والاعتبار الذي يؤديهم إلى معرفة ربوبيته ووحدانيته وصدق رسله.

ثم أخبر أن الآيات لا تستقل بالهدى؛ ولو أنزلها على وفق اقتراح البشر،

  1. (١) "د" "م": "بآياته".
140

بل الأمر كله له، ﴿مَنْ يَشَإِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾، فهذا أظهر القولين، والله أعلم.

وقال تعالى: ﴿حم ١ وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ ٢ إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ٣ وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ [الزخرف: ١ - ٤]، قال ابن عباس: "في اللوح المحفوظ الذي عندنا"١.

قال مقاتل: "يقول: إن نسخته في أصل الكتاب، وهو اللوح المحفوظ"٢.

وأمّ الكتاب: أصل الكتاب، وأمّ كل شيء: أصله.

والقرآن كتبه الله في اللوح المحفوظ قبل خلق السماوات والأرض، كما قال تعالى: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ ٢١ فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ [البروج: ٢١ - ٢٢].

وأجمع الصحابة والتابعون وجميع أهل السنة والحديث أن كل كائن إلى يوم القيامة فهو مكتوب في أم الكتاب.

وقد دلّ القرآن على أن الربّ ﵎ كتب في أم الكتاب ما يفعله وما يقوله، فكتب في اللوح فِعاله وكلامه، فـ ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾ في اللوح المحفوظ قبل وجود أبي لهب.

وقوله: ﴿لَدَيْنَا﴾ يجوز فيه أن تكون من صلة ﴿أُمِّ الْكِتَابِ﴾، أي: أنه

  1. (١) أخرجه بنحوه ابن جرير (٢٠/ ٥٤٧)، وانظر: "الوسيط" للواحدي (٤/ ٦٣).
  2. (٢) "تفسير مقاتل" (٣/ ٧٨٩).
141

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي