شفاء العليل

ورجَّح بعضُهم هذا القول؛ لمكان "حتى" التي هي للغاية، يعني: أنهم يستوفون أرزاقهم وأعمارهم إلى الموت.

ولمن نصر القول الأول أن يقول: "حتى" في هذا الموضع هي التي تدخل على الجُمل، وينصرف الكلام فيها إلى الابتداء كـ "أما"، كقوله:

فيا عجبًا حتى كليبٌ تسبّني١

والصحيح أن نصيبهم من الكتاب يتناول الأمرين، فهو نصيبهم من الشقاوة، ونصيبهم من الأعمال التي هي أسبابها، ونصيبهم من الأعمار التي هي مدة اكتسابها، ونصيبهم من الأرزاق التي استعانوا بها على ذلك، فعمَّت الآية هذا النصيب كلّه، وذكر هؤلاء بعضه، وهؤلاء بعضه.

هذا على القول الصحيح، وأن المراد بالكتاب ما سبق لهم في أم الكتاب.

وقالت طائفة: المراد بالكتاب القرآن.

قال الزجاج: "معنى ﴿أُولَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ﴾: ما أخبر الله ﷿ من جزائهم، نحو قوله: ﴿فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا﴾ [الليل: ١٤]، وقوله: ﴿نَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا﴾ [الجن: ١٧]، ونظائره"٢.

قال أرباب هذا القول: وهذا هو الظاهر؛ لأنه ذَكَر عذابهم في القرآن في مواضع، ثم أخبر أنه ينالهم نصيبُهم منه.

  1. (١) صدر بيت للفرزدق، انظر: "الديوان" بشرح الفاعور (٣٦١).
  2. (٢) "معاني القرآن وإعرابه" (٢/ ٣٣٤).
143

والصحيح القول الأول، وهو نصيبهم الذي كُتِبَ لهم أن ينالوه قبل أن يُخلقوا، ولهذا القول وجه حسن، وهو أن نصيب المؤمنين منه الرحمة والسعادة، ونصيب هؤلاء منه العذاب والشقاء، فنصيب كل فريق منه ما اختاروه لأنفسهم، وآثروه على غيره. كما أن حظَّ المؤمنين منه كان الهُدى والرحمة، فحظ هؤلاء منه الضلال والخيبة، فكان حظهم من هذه النعمة أن صارت نقمة وحسرة عليهم.

وقريب من هذا قوله تعالى: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ [الواقعة: ٨٢]، أي: تجعلون حظكم من هذا الرزق الذي به حياتكم التكذيبَ به.

قال الحسن: "تجعلون حظّكم ونصيبكم من القرآن أنكم تكذبون"، قال: "وخسر عبد لا يكون حظه من كتاب الله إلا التكذيب به"١.

وقال تعالى: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ﴾ [القمر: ٥٢]، قال عطاء ومقاتل: "كل شيء فعلوه مكتوب عليهم في اللوح المحفوظ"٢.

وروى حماد بن زيد، عن داود بن أبي هند، عن الشعبي: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ﴾ قال: "كُتِب عليهم قبل أن يعملوه"٣.

وقالت طائفة: المعنى أنه مُحصى عليهم في كتب أعمالهم.

وجمع أبو إسحاق بين القولين، فقال: "مكتوب عليهم قبل أن يفعلوه،

  1. (١) عزاهما إليه في "البسيط" (٢١/ ٢٥٦)، وأسند الثاني منهما عبد الرزاق في "التفسير" (٣/ ٢٧٣)، وابن جرير (٢٢/ ٣٧٢).
  2. (٢) عزاه إلى عطاء في "البسيط" (٢١/ ١٢٧)، وانظر: "تفسير مقاتل" (٤/ ١٨٥).
  3. (٣) أورده بهذا السياق ابن عبد البر في "التمهيد" (٣/ ١٣٩).
144

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي