شفاء العليل

ولم يكن شيء غيره، وكان عرشه على الماء، وكتب في الذكر كل شيء، وخلق السماوات والأرض". فنادى منادٍ: ذهبت ناقتك يا ابن الحصين، فانطلقت، فإذا هي ينقطع دونها السراب، فو الله لوددت أني كنت تركتها.

فالربّ ﷾ كتب ما يقوله وما يفعله، وما يكون بقوله وفعله، وكتب مقتضى أسمائه وصفاته وآثارها، كما في "الصحيحين"١ من حديث أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "لما قضى الله الخلق كتب في كتابه، فهو عنده فوق العرش: إن رحمتي غلبت غضبي".

  1. (١) "البخاري" (٣١٩٤)، و"مسلم" (٢٧٥١).
146

الباب الثاني عشر

في ذكر المرتبة الثالثة من مراتب القضاء والقدر، وهي مرتبة المشيئة

وهذه المرتبة قد دلَّ عليها إجماعُ الرسل من أولهم إلى آخرهم، وجميعُ الكتب المنزلة من عند الله، والفطرةُ التي فَطَر عليها خلقه، وأدلةُ العقول١ والعيان.

وليس في الوجود موجِب ومقتضٍ على الحقيقة إلا مشيئة الله وحده، فما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، هذا عمودُ التوحيد الذي لا يقوم إلا به، والمسلمون من أولهم إلى آخرهم مجمعون على أنه ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن.

وخالفهم في ذلك من ليس منهم في هذا الموضع، وإن كان منهم في موضع آخر، فجوزوا أن يكون في الوجود ما لا يشاء الله، وأن يشاء ما لا يكون.

وخالفَ الرسلَ كلَّهم وأتباعَهم مَن نفى مشيئة الله بالكلية، ولم يثبت له سبحانه مشيئة واختيارًا أوجد بها الخلق، كما يقوله طوائف من أعداء الرسل من الفلاسفة وأتباعهم.

والقرآن والسنّةُ مملوءان بتكذيب الطائفتين، كقوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ

  1. (١) "م": "المعقول".
147

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي