شفاء العليل

الردِّ عليهم، وهي أكثر من أن يحصيها إلا الله.

ولم تزل أيدي السلف وأئمة السنة في أقفيتهم، ونواصيهم تحت أرجلهم، إذ كانوا يردّون باطلهم بالحق المحض، وبدعتهم بالسنة، والسنة لا يقوم لها شيء. فكانوا معهم كأهل الذمة مع المسلمين.

إلى أن نبغت نابغة ردّوا بدعتهم ببدعة تقابلها، وقابلوا باطلهم بباطل من جنسه، وقالوا: العبد مجبور على أفعاله١، مقهور عليها، لا تأثير له في وجودها البتَّة، ولا هي واقعة بإرادته واختياره.

وغَلا غلاتهم فقالوا: بل هي عين أفعال الله، ولا تنسب إلى العبد إلا على وجه المجاز، والله ﷾ يلوم العبد، ويعاقبه، ويخلده في النار على ما لم يكن للعبد فيه صنع، ولا هو فعله، بل محض فعل الله. وهذا قول الجبرية، وهو إن لم يكن شرًّا من قول القدرية فليس هو بدونه في البطلان، وإجماع الرسل واتفاق الكتب الإلهية وأدلة العقول والفطر والعيان يكذب هذا القول ويرده، والطائفتان في عمى عن الحق والصراط المستقيم.

ولما رأى٢ القاضي وغيره بطلان هذا القول ومناقضته للشرائع والعدل والحكمة قالوا: قدرة العبد وإن لم تؤثر في وجود الفعل فهي مؤثرة

  1. (١) "د": "أفعال له".
  2. (٢) "د": "تبين"، من لحق بالحاشية، والقاضي هو ابن الباقلاني.
171

في صفة من صفاته، وتلك الصفة تسمّى كسبًا، وهي متعلَّق الأمر والنهي والثواب والعقاب، فإن الحركة التي هي طاعة، والحركة التي هي معصية، قد اشتركتا في نفس الحركة، وامتازت إحداهما عن الأخرى بالطاعة والمعصية، فذات الحركة ووجودها واقع بقدرة الله وإيجاده، وكونها طاعة ومعصية واقع بقدرة العبد وتأثيره.

وهذا وإن كان أقرب إلى الصواب، فالقائل به لم يوفّه حقه؛ فإن كونها طاعة ومعصية هو موافقة الأمر ومخالفته، فهذه الموافقة والمخالفة إما أن تكون فعلًا للعبد تتعلق بقدرته واختياره، أو لا تكون كذلك، فإن كان الأول ثبت أن فعل العبد واقع بقدرته واختياره، وإن كان الثاني لم يكن للعبد اختيار ولا فعل ولا كسب البتَّة، فلم يثبت هؤلاء من الكسب أمرًا معقولًا.

ولهذا يقال: محالات الكلام ثلاثة: كسب الأشعري، وأحوال أبي هاشم، وطفرة النظّام١.

ولما رأى طائفة فساد هذا قالوا: المؤثّر في وجود الفعل هو قدرة الربِّ على سبيل الاستقلال، وقدرة العبد على سبيل الاستقلال، قالوا: ولا يمتنع اجتماع المؤثّرين على أثر واحد.

ولم يستوحش هؤلاء من القول بوقوع مفعول بين فاعلين، ولا مقدور بين قادرين، قالوا: كما لم يمتنع وقوع معلوم بين عالمَيْن، ومراد بين مريدَيْن، ومحبوب بين مُحبَّين، ومكروه بين كارِهَيْن٢.

  1. (١) انظر: "مجموع الفتاوى" (٨/ ١٢٨).
  2. (٢) "د"، ولحق بحاشية "م" دون تصحيح: "محبوبين" و"مكروهين" بصيغة المفعول، ورسمهما في "ج" بمثل ذلك، ثم ضرب عليهما وكتب الصواب داخل المتن.
172

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي