شفاء العليل

صحيح ينفي أن يكون العبد قادرًا مريدًا فاعلًا بمشيئته وقدرته، وأنه هو الفاعل حقيقة، وأفعاله قائمة به، وأنها فعل له لا لله، وأنها قائمة به لا بالله.

وكل دليل صحيح يقيمه القدرية فإنما يدل على أن أفعال العباد فعل لهم، قائم بهم، واقع بقدرتهم ومشيئتهم وإرادتهم، وأنهم مختارون لها غير مضطرين ولا مجبورين، وليس معهم دليل صحيح ينفي أن يكون الله سبحانه قادرًا على أفعالهم، وهو الذي جعلهم فاعِلِين.

فأدلة الجبرية متظافرة صحيحة على من نفى قدرة الرب تعالى على كل شيء من الأعيان والأفعال، ونفى عموم مشيئته وخلقه لكل موجود، وأثبت في الوجود شيئًا بدون مشيئته وخلقه.

وأدلة القدرية متظافرة صحيحة على من نفى فعل العبد وقدرته ومشيئته واختياره، وقال: إنه ليس بفاعل شيئًا، والله يعاقبه على ما لم يفعله١، ولا له قدرة عليه، بل هو مضطر إليه، مجبور عليه.

وأهل السنة وحزب الرسول وعسكر الإيمان لا مع هؤلاء ولا مع هؤلاء، بل هم مع هؤلاء فيما أصابوا فيه، ومع هؤلاء فيما أصابوا فيه، فكل حق مع طائفة من الطوائف فهم يوافقونهم فيه، وهم بُرآء من باطلهم، فمذهبهم جَمْعُ حق الطوائف بعضه إلى بعض، والقول به، ونصرُهُ، وموالاة أهله من ذلك الوجه، ونَفْيُ باطل كل طائفة من الطوائف وكسرُهُ، ومعاداةُ أهله من هذا الوجه٢، فهم حُكَّام بين الطوائف لا يتحيزون إلى فئة منهم

  1. (١) "د": "ما يفعله".
  2. (٢) من قوله: "ونفي باطل" إلى هنا ساقط من "د".
177

على الإطلاق، ولا يردّون حق طائفة من الطوائف، ولا يقابلون بدعة ببدعة، ولا يردّون باطلًا بباطل، ولا يحملهم شنآن قوم يعادونهم ويكفرونهم على أن لا يعدلوا فيهم، بل يقولون فيهم الحق، ويحكمون في مقالاتهم بالعدل.

والله تعالى أمر رسوله أن يعدل بين الطوائف، فقال: ﴿فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ﴾ [الشورى: ١٥]، فأمره سبحانه أن يدعو إلى دينه وكتابه، وأن يستقيم في نفسه كما أمره، وأن لا يتبع هوى أحد من الفرق، وأن يؤمن بالحق جميعه، لا يؤمن ببعضه دون بعض، وأن يعدل بين أرباب المقالات والديانات.

وأنت إذا تأملت هذه الآية وجدت أهل الكلام الباطل وأهل الأهواء والبدع من جميع الطوائف أبخس الناس منها حظًّا، وأقلهم منها نصيبًا، ووجدت حزب الله ورسوله وأنصار سنته هم أحق بها وأهلها، وهم في هذه المسألة وغيرها من المسائل أسعد بالحق من جميع الطوائف، فإنهم يثبتون قدرة الله على جميع الموجودات من الأعيان والأفعال، ومشيئته العامة، وينزّهونه أن يكون في ملكه ما لا يقدر عليه، ولا هو واقعٌ تحت مشيئته، ويثبتون القدر السابق، وأن العباد يعملون على ما قدره الله وقضاه وفرغ منه، وأنه لا يشاؤون إلا أن يشاء الله لهم، ولا يفعلون إلا من بعد مشيئته، وأنه ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، ولا تخصيص عندهم في هاتين القضيتين بوجه من الوجوه.

والقدر عندهم قدرة الله تعالى وعلمه ومشيئته وخلقه، فلا تتحرك ذرة فما فوقها إلا بمشيئته وعلمه وقدرته.

178

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي