شفاء العليل

مُؤْثِرًا له، عاملًا به.

فهذه الهداية ليست إلى مَلَك مقرب ولا نبي مرسل، وهي التي قال سبحانه فيها: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص: ٥٦]، مع قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢]، فهذه هداية الدعوة والتعليم والإرشاد، وهي التي هدى بها ثمود، فاستحبوا العمى عليها١، وهي التي قال تعالى فيها: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ﴾ [التوبة: ١١٥]، فهداهم هدى البيان الذي تقوم به حجته عليهم، ومنعهم الهداية الموجبة للاهتداء التي لا يضل من هداه بها، فذاك عدله فيهم، وهذا حكمته، فأعطاهم ما تقوم به الحجة عليهم، ومنعهم ما ليسوا له بأهل، ولا يليق بهم.

وسنذكر في الباب الذي بعد هذا ــ إن شاء الله تعالى ــ ذكر الهدى والضلال ومراتبهما وأقسامهما؛ فإن عليه مدار مسائل القدر.

والمقصود ذكر بعض ما يدل على إثبات هذه المرتبة الرابعة من مراتب القضاء والقدر، وهي خلق الله تعالى لأفعال المكلفين، ودخولها تحت قدرته ومشيئته، كما دخلت تحت علمه وكتابه٢، قال تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهْوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ [الزمر: ٦٢]، وهذا عام محفوظ لا يخرج عنه شيء من العالم: أعيانه وأفعاله وحركاته وسكناته، وليس مخصوصًا بذاته وصفاته؛ فإنه الخالق بذاته وصفاته، وما سواه مخلوق له.

  1. (١) "د": "على الهدى" سبق قلم، وكتبها في "ج" كذلك، ثم ضرب عليها وكتب المثبت.
  2. (٢) "م": "وكتابته".
181

واللفظ قد فرق بين الخالق والمخلوق، وصفاته سبحانه داخلة في مسمى اسمه؛ فإن الله سبحانه اسم للإله الموصوف بكل صفة كمال، المنزَّه عن كل صفة نقص ومثال.

والعالَم قسمان: أعيان وأفعال، فهو الخالق لأعيانه وما يصدر عنها من الأفعال، كما أنه العالم بتفاصيل ذلك، فلا يخرج شيء منه عن علمه، ولا عن قدرته، ولا عن خلقه ومشيئته.

قالت القدرية: نحن نقول: إن الله خالق أفعال العباد، لا على معنى أنه محدثها ومخترعها، لكن على معنى أنّه مقدّرها؛ فإن الخلق: التقدير، كما قال تعالى: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٤]، وقال الشاعر:

ولأنت تَفْري ما خلقتَ وبعــضُ القوم يخلق ثم لا يَفْري١

أي أنت تمضي ما قدّرته، وتنفذه بعزمك وقدرتك، وبعض القوم يقدّر ثم لا قوة له ولا عزيمة على إنفاذ ما قدّره وأمضاه.

فالله تعالى مقدّر أفعال العباد وهم الذين أوجدوها وأحدثوها.

قال أهل السنة: قدماؤكم ينكرون تقدير الله ﷾ لأعمال العباد البتة، فلا يمكنهم أن يجيبوا بذلك، ومن اعترف منكم بالتقدير فهو تقدير لا يرجع إلى تأثير، وإنما هو مجرد العلم بها والخبر عنها، وليس التقدير عندكم جعلها على قدر٢ كذا وكذا، وصفة كذا وكذا؛ فإن هذا عندكم غير مقدور للربِّ ولا مصنوع له، وإنما هو صنع العبد وإحداثه،

  1. (١) البيت لزهير بن أبي سلمى، "شعر زهير" صنعة الشنتمري (١١٩).
  2. (٢) "د": "تقدير".
182

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي