شفاء العليل

فرجع التقدير إلى مجرد العلم والخبر، وهذا لا يسمى خلقًا في لغة أمة من الأمم، ولو كان هذا خلقًا لكان من علم شيئًا وعلم أسماءه وصفاته وأخبر عنه بذلك= خالقًا له.

فالتقدير الذي أثبتموه إن كان متضمنًا للتأثير في إيجاد الفعل فهو خلاف مذهبكم، وإن لم يتضمن تأثيرًا في إيجاده فهو راجع إلى محض العلم والخبر.

قالت القدرية: قوله: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الزمر: ٦٢]، من العام المراد به الخاص، ولاسيما فإنكم قلتم: إن القرآن لم يدخل في هذا العموم، وهو من أعظم الأشياء وأجلّها، فخصصنا منه أفعال العباد بالأدلة الدالة على كونها فعلهم وصنعهم.

قال أهل السنة: القرآن كلام الله سبحانه، وكلامه صفة من صفاته، وصفات الخالق وذاته لم تدخل في المخلوق؛ فإن الخالق غير المخلوق، فليس ههنا تخصيصًا١ البتة، بل الله سبحانه بذاته وصفاته الخالق، وكل ما عداه مخلوق، وذلك عموم لا تخصيص فيه بوجه؛ إذ ليس إلا الخالق والمخلوق، والله وحده الخالق، وما سواه كله مخلوق.

وأما الأدلة الدالة على أن أفعال العباد صنع لهم، وأنها أفعالهم القائمة بهم، وأنهم هم الذين فعلوها؛ فكلها حق نقول بموجبها، ولكن لا ينبغي أن تكون أفعالًا لهم ومخلوقة مفعولة لله تعالى؛ فإن الفعل غير المفعول، ولا نقول: إنها فعل لله، والعبد مضطر مجبورٌ عليها، ولا نقول: إنها فعل للعبد،

  1. (١) كذا في الأصول بالنصب: "تخصيصًا"، والجادة الرفع.
183

والله غير قادر عليها، ولا جاعل العبد١ فاعلًا لها٢، ولا نقول: إنها مخلوقة بين خالقين مستقلين بالإيجاد والتأثير، وكل هذه أقوال باطلة.

قالت القدرية: معنى قوله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ مما لا يقدر عليه غيره، وأما الأفعال التي يقدر عليها العباد فإضافتها إليهم تنفي إضافتها إليه، وإلا لزم وقوع مفعول بين فاعلَيْن، وهو محال.

قال أهل السنة: إضافتها إليهم فعلًا وكسبًا لا ينفي إضافتها إليه سبحانه خلقًا ومشيئة، فهو سبحانه الذي شاءها وخلقها، وهم الذين فعلوها وكسبوها حقيقة، فلو لم تكن مضافة إلى مشيئته وقدرته وخلقه لاستحال وقوعها منهم؛ إذ العباد أعجز وأقل من أن يفعلوا ما لم يشأه الله، ولم يقدر عليه، ولا خلقه.

فصل

ومما يدل على قدرته سبحانه على أفعالهم قوله: ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الحشر: ٦]، واعتراض القدرية على الاستدلال بذلك، والجواب عنه نظير الاعتراض على قوله: ﴿خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ وجوابه.

ونزيده تقريرًا: إن أفعالهم أشياء ممكنة، والله تعالى قادر على كل ممكن، فهو الذي جعلهم فاعلين بقدرته ومشيئته، ولو شاء لحال بينهم وبين الفعل، مع سلامة آلة الفعل منهم، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ

  1. (١) "م" "ج": "للعبد" خطأ.
  2. (٢) من قوله: "ولا نقول إنها فعل للعبد" إلى هنا ساقط من "د".
184

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي