شفاء العليل

والله غير قادر عليها، ولا جاعل العبد١ فاعلًا لها٢، ولا نقول: إنها مخلوقة بين خالقين مستقلين بالإيجاد والتأثير، وكل هذه أقوال باطلة.

قالت القدرية: معنى قوله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ مما لا يقدر عليه غيره، وأما الأفعال التي يقدر عليها العباد فإضافتها إليهم تنفي إضافتها إليه، وإلا لزم وقوع مفعول بين فاعلَيْن، وهو محال.

قال أهل السنة: إضافتها إليهم فعلًا وكسبًا لا ينفي إضافتها إليه سبحانه خلقًا ومشيئة، فهو سبحانه الذي شاءها وخلقها، وهم الذين فعلوها وكسبوها حقيقة، فلو لم تكن مضافة إلى مشيئته وقدرته وخلقه لاستحال وقوعها منهم؛ إذ العباد أعجز وأقل من أن يفعلوا ما لم يشأه الله، ولم يقدر عليه، ولا خلقه.

فصل

ومما يدل على قدرته سبحانه على أفعالهم قوله: ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الحشر: ٦]، واعتراض القدرية على الاستدلال بذلك، والجواب عنه نظير الاعتراض على قوله: ﴿خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ وجوابه.

ونزيده تقريرًا: إن أفعالهم أشياء ممكنة، والله تعالى قادر على كل ممكن، فهو الذي جعلهم فاعلين بقدرته ومشيئته، ولو شاء لحال بينهم وبين الفعل، مع سلامة آلة الفعل منهم، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ

  1. (١) "م" "ج": "للعبد" خطأ.
  2. (٢) من قوله: "ولا نقول إنها فعل للعبد" إلى هنا ساقط من "د".
184

الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ [البقرة: ٢٥٣]، وقال: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ﴾ [الأنعام: ١١٢]، وقال: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا﴾ [يونس: ٩٩]، فهو سبحانه يحول بين المرء وقلبه، وبين اللسان ونطقه، وبين اليد وبطشها، وبين الرجل ومشيها، فكيف يُظن به ظنَّ السوء، ويُجعل له مَثَل السوء: أنه لا يقدر على ما يقدر عليه عباده، ولا تدخل أفعالهم تحت قدرته؟! تعالى الله عما يقول الجاهلون به والجاحدون لقدرته علوًّا كبيرًا.

نعم، ولا نظن به ظن السوء، ونجعل له مَثَل السوء: أنه يعاقب عباده على ما لم يفعلوه، ولا قدرة لهم على فعله، بل على ما فعله هو دونهم، واضطرهم إليه، وجبرهم عليه، وذلك بمنزلة عقوبة الزَّمِن إذا لم يطر إلى السماء، وعقوبة أَشلّ اليدين على ترك الكتابة، وعقوبة الأخرس على ترك الكلام.

فتعالى الله عن هذين المذهبين الباطلين المنحرفين عن سواء السبيل.

فصل

ومن الدليل على خلق أعمال العباد قوله سبحانه: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلَالًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ﴾ [النحل: ٨١]، فأخبر أنه هو الذي جعل السرابيل، وهي الدروع والثياب المصنوعة، ومادتها لا تسمى سرابيل، ولا تسمى بذلك إلا بعد أن تحلها صنعة الآدميين وعملهم، فإذا كانت

185

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي