شفاء العليل

فصل

ومن ذلك قوله تعالى حكاية عن خليله إبراهيم أنه قال: ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ [إبراهيم: ٤٠]، وقوله: ﴿فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ﴾ [إبراهيم: ٣٧]، وقوله تعالى: ﴿فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا﴾ [الحديد: ٢٧]، وقوله تعالى حكاية عن زكريا أنه قال عن ولده: ﴿وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا﴾ [مريم: ٦] أي: مرضيًا.

وقال في الطرف الآخر: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً﴾ [المائدة: ١٣]، وقال: ﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا﴾ [الأنعام: ٢٥]، وهذه الأكنّة والوقر هي شدة البغض والنفرة والإعراض التي لا يستطيعون معها سمعًا ولا عقلًا.

والتحقيق أن هذا ناشئ عن الأكنّة والوقر، فهو موجَب ذلك ومقتضاه، فمن فسَّر الأكنة والوقر به فقد فسَّرهما بموجَبهما ومقتضاهما.

وبكل حال فتلك النفرة والإعراض والبغض من أفعالهم، وهي مجعولة لله سبحانه، كما أن الرأفة والرحمة وميل الأفئدة إلى بيته هو من أفعالهم، والله جاعله، فهو الجاعل للذوات وصفاتها وأفعالها وإراداتها واعتقاداتها، فذلك كله مجعول مخلوق له، وإن كان العبد فاعلًا له باختياره وإرادته.

فإن قيل: هذا كله معارَض بقوله تعالى: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ﴾ [المائدة: ١٠٣]، والبَحِيرة والسائبة إنما صارت كذلك بجَعْل العباد لها، فأخبر سبحانه أن ذلك لم يكن بجَعْله.

190

قيل: لا تعارض بحمد الله بين نصوص الكتاب بوجهٍ ما، والجَعْل ههنا جَعْل شرعي أمري، لا كوني قدري؛ فإنّ الجَعْل في كتاب الله ينقسم إلى هذين النوعين، كما ينقسم إليهما الأمر والإذن والقضاء والكتابة والتحريم كما سيأتي بيانه إن شاء الله، فنفى سبحانه عن البَحِيرة والسائبة جَعْله الديني الشرعي، أي: لم يشرع ذلك ولا أمر به، ولكن الذين كفروا افتروا عليه الكذب، وجعلوا ذلك دينًا له بلا علم.

ومن ذلك قوله تعالى: ﴿لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ [الحج: ٥٣]، فأخبر سبحانه أن هذه الفتنة الحاصلة بما ألقى الشيطان هي بجَعْله سبحانه، وهذا جَعْل كوني قدري.

ومن هذا قوله ﷺ في الحديث الذي رواه الإمام أحمد وابن حبان في "صحيحه"١: "اللهم اجعلني لك شكّارًا، لك ذكّارًا، لك رهّابًا، لك مِطْواعًا، لك مخبتًا، إليك أوّاهًا منيبًا"، فسأل ربه أن يجعله كذلك، وهذه كلها أفعال اختيارية واقعة بإرادة العبد واختياره.

وفي هذا الحديث: "وسدّد لساني"، فتسديد اللسان جَعْله ناطقًا بالسداد من القول.

ومثله قوله في الحديث الآخر: "اللهم اجعلني لك مخلصًا"٢.

  1. (١) "المسند" (١٩٩٧)، "صحيح ابن حبان" (٩٤٧)، وأخرجه أيضًا أبو داود (١٥١١)، والترمذي (٣٥٥١)، وابن ماجه (٣٨٣٠) من حديث عبد الله بن عباس، وقال الترمذي: "حسن صحيح".
  2. (٢) أخرجه أحمد (١٩٢٩٣)، وأبو داود (١٥٠٨)، والنسائي في "الكبرى" (٩٩٢٩) من حديث زيد بن أرقم، وفي إسناده داود الطفاوي: ضعيف، وأبو مسلم البجلي: لا يعرف، كما في "الميزان" (٢/ ٧) (٤/ ٥٧٣).
191

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي