شفاء العليل

قيل: لا تعارض بحمد الله بين نصوص الكتاب بوجهٍ ما، والجَعْل ههنا جَعْل شرعي أمري، لا كوني قدري؛ فإنّ الجَعْل في كتاب الله ينقسم إلى هذين النوعين، كما ينقسم إليهما الأمر والإذن والقضاء والكتابة والتحريم كما سيأتي بيانه إن شاء الله، فنفى سبحانه عن البَحِيرة والسائبة جَعْله الديني الشرعي، أي: لم يشرع ذلك ولا أمر به، ولكن الذين كفروا افتروا عليه الكذب، وجعلوا ذلك دينًا له بلا علم.

ومن ذلك قوله تعالى: ﴿لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ [الحج: ٥٣]، فأخبر سبحانه أن هذه الفتنة الحاصلة بما ألقى الشيطان هي بجَعْله سبحانه، وهذا جَعْل كوني قدري.

ومن هذا قوله ﷺ في الحديث الذي رواه الإمام أحمد وابن حبان في "صحيحه"١: "اللهم اجعلني لك شكّارًا، لك ذكّارًا، لك رهّابًا، لك مِطْواعًا، لك مخبتًا، إليك أوّاهًا منيبًا"، فسأل ربه أن يجعله كذلك، وهذه كلها أفعال اختيارية واقعة بإرادة العبد واختياره.

وفي هذا الحديث: "وسدّد لساني"، فتسديد اللسان جَعْله ناطقًا بالسداد من القول.

ومثله قوله في الحديث الآخر: "اللهم اجعلني لك مخلصًا"٢.

  1. (١) "المسند" (١٩٩٧)، "صحيح ابن حبان" (٩٤٧)، وأخرجه أيضًا أبو داود (١٥١١)، والترمذي (٣٥٥١)، وابن ماجه (٣٨٣٠) من حديث عبد الله بن عباس، وقال الترمذي: "حسن صحيح".
  2. (٢) أخرجه أحمد (١٩٢٩٣)، وأبو داود (١٥٠٨)، والنسائي في "الكبرى" (٩٩٢٩) من حديث زيد بن أرقم، وفي إسناده داود الطفاوي: ضعيف، وأبو مسلم البجلي: لا يعرف، كما في "الميزان" (٢/ ٧) (٤/ ٥٧٣).
191

ومثله قوله: "اللهم اجعلني أُعْظِم شكرك، وأُكْثِر ذكرك، وأَتْبَع نصيحتك، وأحفظ وصيتك"١.

ومثله قول المؤمنين: ﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا﴾ [البقرة: ٢٥٠]، فالصبر وثبات الأقدام فعلان اختياريان، ولكن التصبير والتثبيت فعل الرب تعالى، وهو المسؤول، والصبر والثبات فعلهم القائم بهم حقيقة.

ومثله قوله: ﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ﴾ [النمل: ١٩]، قال ابن عباس والمفسرون بعده: ألهمني٢.

قال أبو إسحاق: "وتأويله في اللغة: كفّني عن الأشياء إلا عن شكر نعمتك"٣.

ولهذا يقال في تفسير المُوزَع أنه المُولَع، ومنه الحديث: كان رسول الله ﷺ مُوزَعًا بالسواك٤، أي مُولَعًا به، كأنه كُفّ ومُنِع إلا منه.

  1. (١) أخرجه أحمد (٨١٠١)، والطيالسي (٢٦٧٦) من حديث أبي هريرة، وفي إسناده الفرج بن فضالة فيه ضعف، كما في "الميزان" (٣/ ٣٤٤).
  2. (٢) انظر: "جامع البيان" (١٨/ ٢٨)، "تفسير ابن أبي حاتم" (٩/ ٢٨٥٨).
  3. (٣) "معاني القرآن وإعرابه" (٤/ ١١٢).
  4. (٤) لم أقف عليه مسندًا، وإن كان متداولًا في كتب اللغة والغريب، ينظر: "العين" (٢/ ٢٠٧)، "الغريبين" (٦/ ١٩٩٥).
192

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي